الرئيسية / أبيض وأسود / خالد عبد العزيز يكتب: الفوتغرافيا والسينماتوغرافيا.. قراءة في جماليات السينما المصرية

خالد عبد العزيز يكتب: الفوتغرافيا والسينماتوغرافيا.. قراءة في جماليات السينما المصرية

خالد عبد العزيز

“الفوتغرافيا” كلمة يونانية الأصل تعني كتابة النور(1) فهل كان يعلم القدماء ما الذي سيئول إليه مرادفهم ذلك؟

النبش في تاريخ الفوتغرافيا ومحاولة الوقوف على بدايتها يجعلنا نعود للوراء، فيظهر أمامنا اسم “الحسن بن الهيثم” العالِم العربي الشهير، ودراستة للإبصار بواسطة العينين والعدسات تبعث حقًا على الإعجاب، فأبحاثه التي طورها الغرب، وتحديدًا كتابه “المناظر”، حيث أجرى العديد من التجارب حول ما يُعرف باسم “الغرفة المظلمة” أو”الحجرة السوداء” وفيها تظهر صورة الشيء مقلوبة، وبذلك وضع “بن الهيثم” البذرة الأولى لفكرة التصوير الفوتغرافي، ومنها انطلقت المحاولات التي أظفرت اختراع آلة التصوير الفوتغرافي عام 1839.

سر الفوتغرافيا ينبع من الرغبة الدائمة في تسجيل الواقع وقنص تلك اللحظة وآسرها، وبالتالي كانت تلك الرغبة دافعًا قويًا للتفكير في اختراع الفوتغرافيا، ليس الاحتفاظ باللحظة فقط، بل الأهم هو تلك المشاعر المُنبعثة منها، تكفي نظرة واحدة لأي صورة لبعث وإحياء ذلك الزمن بإحساسه الذي قد نظنه ولى وانتهى، لكن نظرة واحدة تكفي بالعودة إلى تلك الذكرى.

لولا اختراع الفوتغرافيا ما وُجدت السينما، فالسينماتوغرافيا الذي يصفها الأخوين لوميير في براءة اختراعهما لآلة السينما هي آلة لإعادة إنتاج الحياة الحقيقية(2)، امتدادًا للفوتغرافيا، الفرق بينهما ليس سوى في الحركة، فالسينما مدينة للفوتغرافيا بنشأتها. إذا كانت الفوتغرافيا تُسجل لحظة، فالسينماتوغرافيا تُسجل حدثًا. وقد ساهمت الفوتغرافيا في نشأة السينما بشكل غير مباشر عبر ثلاثة عوامل، أولاً: استنساخ الواقع الخارجي. ثانيًا: إعادة انتاج الصور المستنسخة. ثالثًا: تداول الصور الفوتغرافية وانتشارها(3). وبالتالي يتضح أن علاقة السينما بالفوتغرافيا وثيقة الصلة.

أما السينما فيكمن سر جمالها في قدرتها على التوحد بالمتفرج والاستيلاء على مشاعره بسهولة ويسر دون أدنى اعتراض منه، طوال مدة الفيلم ينتقل المشاهد بوعيه لزمن ومكان مختلفين عن واقعه، وكأنه يُبدل واقعه ويستقل آلة زمن تنتقل به، وتجعله يُعايش واقعًا مُغايرًا عن واقعه المعلوم.

وبعيدًا عن الحكايات التاريخية عن بدايات السينما التي تستحق بالتأكيد أن تُروى، لكن المثير أن العديد من اللقطات السينمائية التي قد لا تثبت على الشاشة لأكثر من ثانية واحدة، تُبين مدى تأثر المخرجين ومديري التصوير بالفوتغرافيا ومن قبل بالفن التشكيلي، ومدى وعيهم بجماليات الصورة التي ترتبط ارتباط وثيق بالسياق الدرامي، وهذا يجعلنا نُدرك الإحساس الذي تشعر به الشخصيات الذي أراد صناع الحدث أن يُشركوا المتلقي في معايشته. والسينما المصرية زاخرة بالعديد من الكادرات المميزة، التي تصلح لأن تكون لوحات فوتغرافية قائمة بذاتها، عصية على النسيان، بأصالة تكوينها وفرادة وخصوصية معناها.. هنا بعض المحاولات لقراءة وتفسير كادرات سينمائية تُشي بالكثير، لكن بلاغة الصورة تُعبر وتُغني عن الكلمات.

لا أنام 1957

عبد الحليم نصر من أشهر مديري التصوير المصريين، عمل كمصور ومدير تصوير لأكثر من مائة فيلم، كادراته تكشف عن فنان له رؤية وحضور فني طاغٍ، يتمثل حضوره هذا بتكوينات مُعبرة للغاية تُساهم في التعبير بحساسية مُفرطة عن حال الشخصيات وتطور وضعها الدرامي، وفي فيلم لا أنام الذي أخرجه صلاح أبو سيف، تتشكل فكرته حول الشعور بالذنب الذي يمنع “نادية” فاتن حمامة من النوم آثر تلاعبها بحياة والدها “أحمد” يحيي شاهين، في أحد المشاهد تحاول نادية النوم لكنه يُباغتها بالابتعاد عنها، فتذهب إلى الشرفة، لتكتشف أن أبيها برفقة زوجته “صفية” مريم فخر الدين، ينقسم الكادر إلى نصفين، كل منهما بلون مختلف، النصف الأيمن “نادية” تتلون الصورة تدريجيًا للأزرق الباهت، في مقابل النصف الأيسر من الكادر مدخل شرفة حجرة والدها، الذي تتلون باللون الأحمر، بعد إنصاتها لصوت الضحكات المتبادلة بين “أحمد” و”صفية”، هنا الصورة عبرت بحرفية عن حال الشخصيات بالتضاد، أولاً “نادية” تُعاني من الوحدة والحزن فاللون الأزرق يُشير إلى الحزن، يتضاد مع اللون الأحمر إشارة إلى الليلة التي يقضيها والدها مع زوجته، الحزن في مواجهة السعادة. من خلال اللعب بالإضاءة تم صنع كادر مُتفرد مُعبر عن الحالة العامة للشخصيات.

المومياء 1970

يُعد فيلم المومياء الذي اخرجه “شادي عبد السلام” من أهم أفلام السينما العالمية وليست المصرية فقط، يحوي الفيلم العديد من الكادرات التي اعتنت بالظلال والإضاءة بشكل بالغ الدقة بلمسات مدير التصوير الفذ عبد العزيز فهمي. السيناريو الذي يتحدث عن تجارة الآثار قرب نهاية القرن التاسع عشر، وبعد اكتشاف “ونيس” أحمد مرعي حقيقة القبيلة التي ينتمي إليها، وكيف أنها تتاجر في الآثار، وبالتالي يصطدم بقبيلته التي تُمثل هذه التجارة بالنسبة لها مورد رزقها الوحيد، وعلى الجانب الآخر يواجه ذاته المُعذبة بالآثم، ويُصبح مُشتت بين مصالح عائلته وقبيلته وضميره الذي يُحتم عليه ألا ينساق ورائهم. تُعبر عن هذا المعنى، وتوضح مدى الثُقل والوزر الذي يحمله “ونيس”. في أحد المشاهد يدخل “ونيس” المعبد والحزن رابض على وجهه، ترتفع الكاميرا تلقائيًا لأعلى لنجد أن ونيس يبدو أصغر حجمًا في مواجهة حائط المعبد المنقوش بالتدوينات الفرعونية، وكأنه في تلك اللحظة، تُخبرنا الكاميرا عن مدى ضألة “ونيس” أمام ذلك التاريخ وكأنه  لا يسوي شيئًا مقابل هذه الحضارة المهيبة.

المذنبون 1975

المخرج الفنان سعيد مرزوق، ذو طبيعة خاصة فالصورة لديه شديدة الجمال، وتحديدًا في هذا الفيلم يبدو الاعتناء بتفاصيل الصورة واضح وجلي بشكل مُذهل. في فترة السبعينيات العصيبة وفي آثر إنهيار السياسات الاشتراكية، وصعود طبقات اجتماعية على حساب هبوط طبقات أخرى، تدور الأحداث المشوقة حول “سناء كامل” سهير رمزي فنانة شابة يجد البوليس جثتها غارقة في الدماء على فراشها، تبدأ التحقيقات مع جميع أصدقائها ومعارفها، وتحديدًا مع رفاق الحفلة التي عُقدت ليلة مقتلها. البداية كانت مع ناظر المدرسة “أليف البحراوي” عماد حمدي، فبعد أن يتم استدعاؤه في قسم الشرطة، للتحقيق معه في الجريمة نجد أن النافذة تفصل الكادر إلى نصفين، “أليف البحراوي” يقف مُحاصرًا في نهاية الكادر تحديدًا الجانب الأيسر منه في مواجهة ضباط الشرطة العقيد حسين “عمر الحريري” وكمال “سعيد عبد الغني”، ليس ذلك فحسب لكن إذا تأملنا المسافة أو الحيز الذي يشغله “أليف” لن يتعدى الثلث الأخير، والباقي يحتله الضباط “حسين” و”كمال”. الجانب الأيسر هو الأضعف في مواجهة الجانب الأيمن الأقوى، وذلك يُؤجج المعنى الآخر الذي تُحدده أغلب كادرات الفيلم وهو الحصار، الكل محاصر، ولا أحد خارج دائرة الشبهات. الجميع مذنبون بشكل أو بأخر حتى لو لم تتلوث أيديهم بجريمة القتل، هذا التكوين لم يستغرق على الشاشة أكثر من ثوان معدودة، وإذا تأملناه بمفرده دون حركة، ستصل إلينا الحالة العامة للشخصيات كما أوضحنا.

مشهد آخر تتجلى فيه جماليات الصورة، يحاول “حافظ” صلاح ذو الفقار تهدئة “منى” زبيدة ثروت زوجة الطبيب “تحسين” يوسف شعبان، بعد أن وشى به حافظ لدى زوجته وأخبرها بخيانته لها، ليتمكن من الانفراد بزوجته، يدخل حافظ حجرة النوم وراء منى، ليكون الباب مواربًا، فلا يكشف سوى جزء ضئيل من الصورة، التي تنعكس تلقائيًا في المرآه، ثم تتلون الشاشة باللون الأحمر، في إشارة للسهرة المتوقع أن يقضيها حافظ برفقة منى. الكاميرا هنا في موضع المُتلصص، وبالتالي تقف وراء الباب، تقتنص تلك اللحظة التي لا تدوم كثيرًا، في صورة بالغة الروعة.

نص أرنب 1983

محمد خان وسعيد شيمي، إذا اقترنا الاسمان معًا فالمتعة البصرية مُضاعفة، كلاهما مُدرك لأدواته السينمائية جيدًا، وحسهما الفني بالغ الرهافة ومُعبر لأقصى درجة، فصداقتهما في الواقع صنعت مزيجًا مدهشًا وتفاهمًا عميقًا بينهما على الشاشة. فيلم “نص أرنب” الذي يسرد قصة “يوسف” محمود عبد العزيز موظف البنك الذي يعثر على شنطة أحد العملاء “سراج منير” يحي الفخراني، كان قد سلمه فيها نصف مليون جنيه، لتتصاعد الأحداث ويُطارد “رفاعي” سعيد صالح “يوسف” ليحصل على الشنطة، التي من المفترض أنه كان سيبادلها مع “سراج منير” لكنه يهرب بالأموال، فلا يبقى سوى موظف البنك ليطارده “رفاعي”، في مشهد دال على معاناة “يوسف” الذي يبحث عن شقة الزوجية ولا يجد المال الكافي للزواج، يحاول الهرب من “رفاعي” الذي يركض وراءه، فيدخل في إحدى الأنابيب الحديدية، فينادي “رفاعي” عليه طالبًا منه أن يقذف الشنطة حتى لا يقع في ورطة، تقف الشاشة لأقل من ثانية، نرى خلالها “يوسف” المُعذب بين احتياجه المال لُيتمم إجراءات زواجه، وخوفه من المجرم الذي يُطارده، جسده محني داخل الأنبوب، لكن ليس الأنبوب هو السبب وحده، فالواقع الذي يجعله في حاجة للمال يضغط عليه ويكاد يخنقه هو الأقوى، هذه الصورة الشديدة التعبير عن حال الشخصية بتكوينها الذي تم فيه مراعاة الإضاءة بحيث تخفي ملامحه وكأن الكاميرا تُخبرنا عن مدى انسحاق وضألة “يوسف”.

قدرات غير عادية 2015

في هذا الفيلم تحديدًا من أفلام المبدع “داوود عبد السيد” نلحظ اهتمامًا ملحوظًا بالصورة، والتأثر المفرط بالفن التشكيلي في هذا الفيلم الذي تدور فكرته حول البحث عن الحالات الخارقة للمألوف، نرى يحيى الطبيب النفسي  “خالد أبو النجا”، الذي يَعد بحثًا حول الحالات النادرة التي تمتلك قدرات غير عادية، وينتقل في إجازة لإحدى القرى السياحية على أطراف الإسكندرية، ليُقيم في البنسيون الذي تُملكه “حياة” نجلاء بدر، وينشأ بينهما قصة حب وعلى أثرها يتقابلا صدفة في الترام، فيُمارسا الحب، ليعودا للبنسيون وكأن شيئًا لم يكن، حتى لا يعرف الآخرون، فيتناولا العشاء جميعا وينقطع التيار الكهربائي فجأة، ولا يبقى سوى ضوء الشموع لينير المائدة ويكشف ملامح من عليها، ليُصبح المشهد بالكامل وكأنه لوحة من الفن التشكيلي، وفجأة تقترب الكاميرا من وجه “رامز شريف” حسن كامي ليُصرح بأن السيدة “حياة” وكأنها خُلقت من جديد أو على حد تعبيره “وردة بتفتح”، ثانية واحدة تلتقط الكاميرا تعبير وجه “رامز” المندهش الذي لا يُضيء ملامحه سوى شمعة، لُتصبح الصورة وكأنها تُخبرنا بأن هذا السيد يُدرك الكثير وبالتالي هتك سر “حياة”، ثم تقترب الكاميرا من وجه “حياة” تبتسم وورائها خلفية سوداء تمامًا ولا ينير وجهها سوى ضوء الشموع، هذا التكوين الذي لايدوم سوى ثانية واحدة يتضح فيه التأثر بلوحات “رامبرانت”، والأهم أنه كشف عما بداخل الشخصية، فبتلك الابتسامة البسيطة، نكتشف أن وراء هذا الوجه الجامد أنثى تفرح أيضًا بإطراء الرجال لجمالها.

الخلاصة

إدراك الصورة والإحساس بها يجعل مذاق النظرة أشهى، نظرة قصيرة للصورة لا تكفي أبدًا، التروي في الرؤية يدفع مكونات الصورة للبوح بأسرارها، صورًا عديدها طالعناها وكان تأثيرها مُمتدًا ولا يُنسى، أيضًا في السينما أغلب ما يعلق بالذاكرة صورة من مشهد ما، إذا حاولت أن تستدعي المشهد بالكامل، ستجد أن الذاكرة تقف عند صورة واحدة هي التي ارتبطت بها. ولاشك أن صُناع السينما حينما يصنعون مشاهدهم مُدركين تمامًا تأثير الفن التشكيلي والفوتغرافيا عليهم، وبالتالي نكتشف كادرات بالغة الجمال وشديدة التعبير عن المضمون، لذا نجد أن العلاقة بين الفوتغرافيا والسينماتوغرافيا متقاربة للغاية، ولا عجب فهما ينبضا سويًا بوهج الشغف وسحر اللحظة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الثقافة السينمائية – قيس الزبيدي – آفاق السينما – الهيئة العامة لقصور الثقافة 2013.

(2)، (3) السينما والسينما توغرافيا – قيس الزبيدي – بحث منشور على موقع الجزيرة وثائقية

 

المقال نقلا عن مجلة الفيلم

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend