مقالات

أميرة غريب تكتب: “إذاعة الأغاني”.. كلمات وألحان “عمر طاهر”

 “يحدث أحيانًا أن يقع الواحد من نفسة، يفقد فجأة كل ما يعرفه من أهداف أو أحلام، أو ربما يسير بداخل واحد منها بلا وعي، يسقط عن الواحد إحساسه بالزمن، ربما من فرط الرتابة أو فرط الإثارة، تسيطر ميكانيكيةً ما على طريقة حياته، فهو يتحرك بالفعل، لكن جسده فقط هو الذي يتحرك، بينما لا توجد بقعة نور واحدة في الروح أو الوعي.

تهجم هذة اللحظة عليك دون أن تدري، لن تعرف أنك كنت تسير فاقد الوعي إلا مع لحظة النهاية، عندما يحدث ما يجعلك تستفيق، تعود إلى روحك فتعرف أنك كنت بعيدًا، هناك من يغادر لحظات اللاوعي هذة بصدمة، وهناك من يودعها على باب فرحة مفاجئة، هناك من يحتاج إلى جلسة كهرباء أو ما يشبهها، لكن في كل الأحوال عند عودتك ستسأل نفسك كثيرًا، أين كنت؟ وكيف انقضت تلك الفترة و أنت منوم؟ ستفكر كثيرًا، لكن لحظة الإفاقة ستمحو كل ماسبق، وستجعلك تمسك بطوق نجاة ألقتة إليك سفينة لم تكن تبحث عنك”.

وحدها الموسيقى كانت تفعل ذلك معي..

بهذة الكلمات السابقة وفي الفصل الأخير استطاع “عمر طاهر” أن يجد مخرجًا له وقوة سببية حقيقية جعلتة حاضرًا بين حروف كلماتة وألحان أغنياته..

لم تكن أغنيات “عمر طاهر” المذاعة عبر كلماته وسطوره في رائعته الجديدة “إذاعة الأغاني” الصادر عن دار الكرمة للنشر بالقاهرة سوى مجموعة من النوافذ المطلة على روح القارئ، فهي تجربة إنسانية صميمة الجسد والروح يقدمها لنا “عمر طاهر” في ثوب جديد لكتابة يصعب على قارئها التوقف، أو العبور سريعًا، فهي حالة مربكة من الإبداع في السير الذاتية الحاملة بين جوانبها الكثير من مواقف حياتية وكم هائل من المشاعر الإنسانية، التي إن كان اعتبرها البعض مواقف شخصية خاصة تعرض لها الكاتب وحده، إلا أن “طاهر” استطاع بحرفية كاتب ساخر أن يقودها ويطوعها لخدمة المعنى ولعمق الهدف، فكانت ألحان وكلمات أغنياته في سيرتة الذاتية الكتابية للغناء جسرًا ممتدًا بينه وبين القارئ، وبمعنى أدق بين كل معنى مكتوب ومحفور في ذاكرته وبين روح القارئ، نوع خاص، ذلك الذي يخترق القلب ويهذب الإحساس ويؤلم الروح، فلا تعود أنت كما كنت قبل قراءتها.

حضوره المكاني في بعض الدول التي زراها كان إنسانيًا مفرطًا، بسرد التفاصيل، وبحياة نابضة بين السطور، علاقتة بالبحر وبالسيارة وبالعصافير، بكل الأشياء الحية وغير الحية كان طاغيًا، معبرًا وصادقًا مثلما لم يكن من قبل.

استطاع “عمر طاهر” تجسيد العلاقة حرفيًا بين الموقف والحدث وبين المتلقي وبين الأغنية وذكراها، علاقة تكاملية تعلوها روح الدعابة الساخر، والألم المفرط لتجسيد المشاعر ما بين الماضي والحاضر.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى