أقلام وآراءقرأتُ لكمقالات

منتصر أمين يكتب: ساعة قسطنطين جيورجيو

منتصر أمين

  “لن أتوقف بعد الآن عن الصراخ، حتى تأخذ العدالة مجراها.. لعلكم ستسجنونني في القبو، لتمنعوني من إسماع صوتي إلى الآخرين.. ولكن أينما كنت، وأينما حللت لن أتوقف عن الصراخ.. وإذا لم يكن لدي قلم أكتب به أو ورق أسطر عليه، فسأكتب بأظافري على جدار سجني.. فإذا تلفت أظافري ودميت أصابعي، تريثت حتى تبرأ لأكتب من جديد.. وإذا أعدمتوني بالرصاص فلن أذهب إلى الجحيم ولا إلى الجنة، بل ستبقى روحي هائمة على الأرض تلاحقكم دون هوادة.. سوف تدور حولكم كالطيف، سأقلق مضاجعكم وأقضها مائة مرة كل ليلة، وأحرم عشيقاتكم من النوم لأصرخ قائلاً: إنني على صواب.. لن تستطيعوا إغماض أعينكم حتى نهاية أيامكم، ولن تستطيعوا الإصغاء إلى الموسيقى والإستماع إلى كلمات الحب.. ستدوي كلماتي وحدها في آذانكم كلماتي أنا، إيوهان موريتز..

إذا كنت من المغرمين بكتابات “جورج أوريل”، وتعشق هذا اللون من النصوص الأدبية، أظن أنه سيفوتك الكثير إن كنت لم تقرأ رائعة “قسطنطين جيورجيو”.. (الساعة الخامسة والعشرون)..

لاشك أن أول ما يجذب انتباهنا للنص الأدبي هو العنوان، والبعض يعتبره عتبة النص أو بوابة العبور الرئيسية له.. وفي هذا العمل نجد العنوان مميزًا للغاية فالساعة الخامسة والعشرون غير حقيقية، لا وجود لها.. لذا فقد تباينت التفسيرات والتأويلات حول هذا العنوان فهناك من يقول بأنها ساعة نهاية الإنسانية، وهناك من يرى بأنها ساعة نهاية الحضارة الأوروبية.. أيًا ما كان التفسير الذي سيروق لك؛ فإن هذا العنوان المميز سيذكرك على الفور بعناوين أخرى خالدة مثل (مئة عام من العزلة) لـ “ماركيز”.. أو (حرب نهاية العالم) لـ “ماريو بارغاس يوسا”..

تدور أحداث الرواية حول ما يتعرض له الفلاح الروماني البسيط “إيوهان موريتز”.. حيث يصحبنا الكاتب في رحلة سوداوية مؤلمة إلى قرية في رومانيا لنرافق “موريتز” الذي كان كل جرمه أنه تزوج فتاة جميلة أعجبت مفوض القرية.. يقرر المفوض التخلص من “مورتيز” بإرساله إلى معسكر مع اليهود، يلاقي فيه الهوان.. ينجح بعد فترة في الهرب برفقة بعض اليهود إلى المجر، ولكنه يقبض عليه عندها كمواطن روماني معادي ويسجن.. وعندما تطلب السلطات النازية جنودًا من المجر، يتم إرسال “مورتيز” ليصبح جنديًا نازيًا..

وهكذا يتنقل “موريتز” وتتغير هويته في كل مرة، تتم معاقبته وتعذيبه في كل مرة على الوضع الذي وضع فيه دون إرادة منه.. لا يسمع له أحد، ولا يقبل أحد كلامه في مقابل الأوراق الرسمية التي تقول أنه شيء آخر.. حتى عندما ينتصر الأمريكان ويعتبرهم محررين وأكثر إنسانية من الألمان والروس، يكتشف “مورتيز” أن الآلة لازالت تدور وأن مشاعره وقيمته كإنسان لا قيمة لها.. ليس “موريتز” فقط من نتابع قصته بل “تريان كيروغا” أيضًا، الكاتب الروماني المثقف وابن كاهن القرية “كيروغا”.. وهذه الشخصية غاية في الأهمية لكونها تمثل دور الأدب الشاهد على الأحداث..
أحداث الرواية عبارة عن سلسلة من الفظاعات والآلام، الوحشية التي مزقت العالم لسنوات.. حين تقرأها الآن في ظل هذه الظروف التي يمر بها وطننا العربي ستتعجب من قدرة هذا الكاتب على التنبؤ بما يحدث.. فرغم أن النص مكتوب قبل ما يزيد على الخمسين عامًا، إلا أن ساعتنا الخامسة والعشرين مازالت قائمة..

ما أن تبدأ في قراءة هذا النص حتى يستحوذ عليك بشكل مخيف، ربما لأن هذه الرواية تمثلك، تمثلني وتمثلنا جميعًا.. فرغم اختلاف الزمان والمكان، إلا أن الأحداث لن تغادر ذاكرتك وسرعان ما سوف تربطها بك.. فالكاتب (قبل أكثر من خمسين عامًا) يرى أن الإنسان أصبح مجرد مجموعة من الأرقام والأوراق؛ فكيف نحن اليوم بعد أن صارت بطاقات الائتمان وبطاقات الهوية وجوازات السفر هي كل حياتنا؟!..

الرواية تناقش أزمة العالم بأسره، أزمة هوية الإنسان الذي شاء له القدر أن يكون من أبناء الجيل الذي عايش الحرب العالمية الثانية.. هكذا وجد هذا الإنسان نفسه مطحونًا في آتون آلة الحرب العملاقة.. لا يعرف لماذا يَقتل أناسًا لا يعرفهم، ولا لماذا يُقتل الذين يعرفهم!. لماذا كل هذه الحروب والدمار ولصالح مـن كانت؟!..

هذه الرواية صرخة بكل ما تحمله الكلمة من معنى في وجه مشعلو الحروب.. هذه الرواية عن معاناة الشعوب البسيطة التي لا تبحث عن شيء سوى الحق في الحياة..
في هذه الرواية ستقع أسيرًا للفكرة، ستلهث وأنت تركض خلف الكاتب لمتابعة الأحداث.. ربما يشغلك ذلك قليلًا عن التفكير في تقنية الرواية، حبكتها وطريقة السرد.. إلا أن ذلك لا ينفي براعة الكاتب في توظيف كل أدواته لخلق عالم روائي متكامل نتج عنه هذا النص الرائع.. تمكن به من ربط القارئ مع “إيوهان مورتيز” حتى الصفحة الأخيرة ..

لا أعلم لماذا وجدت تشابهًا كبيرًا بين هذا العمل وبين رواية “ربيع جابر” البديعة (دروز بلغراد).. ربما كان ذلك راجعًا إلى تشابه هيكل الروايتين بشكل غريب!!.. أو ربما كان ذلك محض صدفة، تلاقي الأفكار.. ربما؟!.. سأترك الإجابة على هذه التساؤلات لمن قرأ الروايتين..

وفي الختام فكثير من النصوص الأدبية تتلاشى من ذاكرتنا بمرور الأيام، وقليل منها تحفر لنفسها مكانًا لا يزول من وجداننا.. ومن ذلك النوع الأخير رواية اليوم (الساعة الخامسة والعشرون)..

اقتباسات من النص:

  • “لا تنس أنني شاعر، وأملك حدسًا يسمح لي بالتنبؤ بالمستقبل، لا يملكون الآخرون مثله، أنا آسف إذ أتنبأ بأشياء مفجعة كهذه، لكن مهمتي كشاعر، ترغمني على ذلك، ينبغي أن أصرخ وأن أحمّل الأصداء قولي، حتى لو كان قولا ممجوجًا.”
  • “لقد اختفت حضارتنا يا لوسيان، لقد كانت تحوى على ثلاث ميزات: كانت تحب وتحترم الجمال وهي عادة أخذت عن اليونان، وتحب وتحترم الحق وهي عادة أخذت عن الرومان.. وتحب وتحترم الإنسان وهي عادة أُخذت بعد صعوبات جمة عن الدين.. إن حضارتنا الغربية لم تبلغ الشأن الذي بلغته إلا باحترامها هذة الرموز الثلاثة، هذه الأقانيم: الإنسان والجمال والحق.. والآن فان حضارتنا تخسر أثمن جزء في ميراثها وأعنى ذلك الحب والإحترام للإنسان، إنها تموت”..

#منتصر_أمين

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى