الرئيسية / شباك / سينما / خالد عبد العزيز يكتب: “الأصليين” فيلم جيد.. ولكن!

خالد عبد العزيز يكتب: “الأصليين” فيلم جيد.. ولكن!

خالد عبد العزيز

في أحد مشاهد رواية 1984 للروائي البريطاني “جورج أورويل” يصف فيه كيف أن بطل الرواية “ونستون سميث” كان مُراقبًا من قبل أجهزة مراقبة وكاميرات مُسلطة عليه ترصد كل تحركاته وسكناته وأفعاله، حتى تعبيرات الوجه كانت هي الآخرى قيد المراقبة. هل كان “جورج أوريل” يُدرك أن المستقبل سيكون كما صوره في روايته بل أسوأ؟

تقوم الفكرة الرئيسية المباشرة لفيلم “الأصليين” سيناريو وحوار “أحمد مراد” وإخراج “مروان حامد” -في ثاني تعاون بينهما بعد تجربتهما الأولى في فيلم “الفيل الأزرق” المأخوذ عن رواية مراد- ببساطة عن المراقبة، وكيف أن هذا العالم الذي نعيش فيه ليس آمنًا كما نتخيل، الجميع تحت المراقبة، يدور الفرد فيه في فلك البحث عن لقمة العيش في واقع استهلاكي بحت، يُغلف هذا الواقع جانب ترفيهي يُمثله أجهزة الاتصال الحديثة والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي التي صارت تتحكم بشكل كامل في حياتنا.

تدور أحداث الفيلم حول سمير عليوة (ماجد الكدواني) الذي يُفصل من عمله في البنك إثر قرار مفاجئ بتخفيض العمالة، ليُفاجأ بعد ذلك بباب بيته يُطرق ويجد هاتف محمول مُسجل عليه صور ومقاطع فيديو تُسجل لحظات هامة في حياته بدءًا من طفولته حتى لحظته الحالية، ليكون ذلك الهاتف هو حلقة الوصل بينه وبين جماعة تُدعى “الأصليين”، تسعى لضمه في صفوفها.

تأويلات متعددة وعوالم متقابلة

كما ذكرنا سابقًا ماهية الفكرة القائم عليها السيناريو وهي المراقبة وانعدام الخصوصية، إلا أن الفكرة تحتمل تأويلات أخرى حتى وإن كانت تلك الأفكار التي عبر عنها السيناريو واستنبطها المتفرج تبدو شديدة الخفوت، لكنها حاضرة بشكلٍ أو بأخر.

في أحد المشاهد يصف “رشدي أباظة” ماهية عمل جماعة الأصليين قائلاً إن الرب في السماء يُراقب البشر، وما هما إلا بشر يُنفذوا تلك الفكرة على الأرض. وكأنهم في محاكاه لجانب ضئيل من جوانب الألوهية، فإذا كان مصير الإنسان يتحدد وفقًا لأعماله، فتلك الجماعة أيضًا تُحدد مصير المُراقبين، وفقًا لأنشطتهم وأعمالهم. ليس ذلك فحسب، هناك فكرة أخرى عَبرَّ عنها السيناريو، وهي السخرية، السخرية من فكرة المُراقبة في حد ذاتها في شقها الأمني، وتقييد الحريات والتتبع بصفة عامة، ولعل من أبرز المشاهد التي تُعبر عن تلك السخرية، حينما يتقابل “سمير” و”رشدي” لتوقيع عقد العمل، لتقفز إحدى الكلمات في ذهن “رشدي أباظة” بغتة، فيتصل هاتفيًا بأحد معاونيه، طالبًا منه أن يُكون هذا الشعار في الصباح منتشرًا في وسائل الإعلام، وكأنه يُتحكم ويدير مؤشر الوطنية وفقًا للشعارات التي انتهى زمانها وولى. وبذلك تُحيلنا تلك الإشارات إلى جانب مهم لفهم تلك الفكرة وهو تحديد ورسم الشخصيات.

يبدأ الفيلم بمشهد نرى فيه “سمير عليوة” داخل السوبر ماركت يشتري احتياجاته ويجر أمامه عربة مشتريات مكتظة بالسلع، في إشارة للطابع الإستهلاكي الشره الذي يُغلف حياة سمير وأسرته، التي تبدو وكأنها عالم قائم بذاته، تتحكم فيه الماديات والمظاهر بدرجة كبيرة، في صورة بانورامية لأغلب أفراد الطبقة الوسطى، عمل لا يرحم بالنهار، وليلاً أمام شاشة التليفزيون يتناولون طعامهم برفقة أفراد أسرتهم المشغول كل واحد منهم بشاشة هاتفه المحمول. عَبر السيناريو عن ملامح تلك الحياة بحرفية، كما ساهم رسم الشخصيات في التعبير عنها بشكل مُعبر للغاية. وبالتالي إذا تاملنا شخصية “سمير” موظف بإدارة الإئتمان بأحد البنوك، يضع سماعة بلوتوث دائمًا على أذنيه ولا يرتدي إلا الملابس الرسمية برابطات العنق، وكأن دوامة العمل والوظيفة بزيها الرسمي تتحكم فيه بدرجة أصبحت ملحوظة بشكل لا تُخطئه العين، كما أن تلك الملابس الخانقة تتناسب مع الشخصية، التي نكتشف بمراجعة ماضيها أنها مفعول به، لا تتخذ قرارًا أبدًا، مصيره بيد الآخرين دومًا، أمه هي التي اختارت له زوجته ماهيتاب (كندة علوش)، زوجته تكاد تُسيطر عليه سيطرة كاملة. رغم ذلك تنتابه تلك الأحلام التي يرى فيها نفسه يُغني في أحد برامج المسابقات، وكأن ذلك الحلم تعبيرًا أو رغبة تدور في اللاوعي تتوق إلى الشهرة والنجومية والأهم أن يكون فاعلاً ومتمردًا، لينتهي الحلم بالهتاف المُضاد من الجمهور ليتوقف عن غناءه النشاز، وتذهب رغبته أدراج الأحلام.

العالم الآخر الذي عَبر عنه السيناريو هو “الأصليين” ويُمثله رشدي أباظة (خالد الصاوي)، تبدو تلك الشخصية كاريكتورية إلى حدٍ ما بدءًا من ملابسها البدلة الصيفي، ومرورًا بالدراجة الهوائية والسيارة القديمة إلى الهاتف الأرضي الأسود العتيق، من الذي يستعمل هذه الأشياء الآن؟ كل هذه الصفات رسمت الشخصية وعبرت عن عالمها الذي يتسم بالغرابة والريبة، ومُطعم بطبقة كثيفة من الغموض، مما يُذكرنا إلى حدٍ ما بفيلم “البحث عن سيد مرزوق” للمخرج “داوود عبد السيد”. الشخصية تملك مفاتيح كل شيء، رغم أنه قد يبدو على الهامش يقبع في الظل، أو في جانب خفي لا يُدرك بالعين المجردة ولا تشعر به، لكنه يملك قدرة وقوة يُشي بالكثير من النفوذ.

خطوط واهية وصراع مفتقد

ثمة قصور عانى منه السيناريو، وتتضح أحد معالم هذه السلبيات مع نهاية الفصل الثاني من الفيلم، عند هذه النقطة تحددت معالم الشخصيات وتم بناء المكان أو العالم المفترض أن يجري فيه الصراع الدرامي. لكن المتفرج يفاجئ أنه بالكاد يوجد صراع، السيناريو وضع العراقيل أمام الشخصية الرئيسية “سمير عليوة”، لكنه كان يتعامل معها بسلبية تامة تتناسب مع شخصيته، لكن المفترض أن يتم خلق نقطة يتصادم عندها العالمان وتتعارض رغابتهما لينشأ الصراع رغم طبيعة الشخصية المُتسمة بالخنوع، وللحق تحقق هذا التعارض، لكنه أيضًا تم التعامل معه بسهولة ويسر وكأن شيئًا لم يكن. يبدأ هذا الصدام حينما يذهب “سمير عليوة” لندوة “ثريا جلال” (منة شلبي) دون علم “رشدي أباظة”، ليقع فريسة لعقاب رشدي أباظة، حتى لا يتحرك أو يفعل أي فعل دون علمه. لكن هذه النقطة التي تصلح للمواجهة، يتم المرور عليها مرور الكرام. لنجد في أحد المشاهد اتصالاً هاتفيًّا من مجهول (عباس أبو الحسن)، يُخبر “سمير” أن “رشدي أباظة” لن يتعرض له مرة أخرى، ولكن هذا لا ينفي سقوط المراقبة عنه، فالجميع مراقب حسب قوله. أين المشكلة التي وقعت فيها الشخصية ؟

“ثريا جلال” الفتاة التي يراقبها “سمير عليوة”، ما دورها بالتحديد؟ إذا افترضنا أن دورها يتلخص كنقطة يتم خلق صراع حولها، هل تحقق أي صراع -استمر وتوهج ووصل للذروة- بعد أن تَعرف “سمير” على “ثريا” ؟ بالتأكيد لا. فالخط الدرامي الخاص بثريا من أضعف الخطوط في السيناريو، لم يتضح سبب تواجده، طوال الوقت ننتظر أن تُدعم حكايتها بالمزيد من المعلومات والأحداث، حتى مع افتراض حدوث الأثر النفسي على “سمير” لكنه لم يكن بالمستوى المرجو منه، وبالتالي بدت تلك الشخصية مُفتقرة إلى شيئًا ما يحدث ليدفع مسار الأحداث نحو ذروة مُفتقدة. الفجوة بين المتوقع حدوثه والحدث نفسه كانت كبيرة بدرجة يصعب على المتفرج إغفالها، ففي أحد المشاهد نرى ثريا تُحاضر عن الحضارة المصرية القديمة، وتفتح باب الأسئلة، لتأتي إليها ورقة من “سمير” تُخبرها بأنها قيد المراقبة، وفجأة ينتهي الحدث عند تلك النقطة، ولا ندري ما الذي جرى بعدها ؟ كأن شيئًا لم يحدث!

من هم الأصليين؟ ما طبيعة عملهم بالتحديد؟ هل يقتصر عملهم على المراقبة فقط؟ أم كما قال “رشدي أباظة” بأن ما يعنيه أهم من فعل المراقبة أو القبض على الخارجين عن القانون؟ المهم هو الابن الذي يقع في خلاف مع والديه، أو فتاة تقع في قصة حب؟ ثم يقول لسمير أنهم حراس الوطن، يحرسوا الوطن من ماذا؟ هل تلك المشاكل البسيطة تُسقط أي بلد أو تؤثر عليه سلبًا؟ وبالتالي ظهرت مهمتهم بشكل فضفاض يفتقر للإقناع. وإذا رجُحت كفة السخرية كما ذكرت سابقًا، وبالتالي فإن هذا الطرح غلفه الكثير من الغموض حول مهمة الأصليين، ولم يحاول السيناريو أن يُقلل منه أو يزيح ولو قدرًا ضئيلاً من ذلك الستار الكثيف حتى مع التقدم في السرد، حتى تتضح الرؤية.

الصورة.. سيطرة متكاملة

منذ بداية الفيلم وصناعه يسعون لترسيخ فكرتهم عن المراقبة وإنعدام الخصوصية ومصير الإنسان الفاقد لحريته، وذلك من خلال التعبير عنها باللغة السينمائية، ويتضح ذلك من عدة مشاهد:

المقدمة الصوتية المُصاحبة لمشهد الدواجن المُجمدة داخل السوبر ماركت، وقد ركزت الكاميرا لعدة ثوان على الدجاج، في إشارة صريحة لتقارب مصير الإنسان بمصير الدجاج، كلاهما يتم التحكم فيه والسيطرة عليه.

اختيار زوايا التصوير العلوية التي توحي بالضألة كما توحي بالتحكم والسيطرة، مثل المشاهد التي ركزت على “سمير عليوة” سواء في الشارع أو حتى داخل الحمام، للتعبير عن فعل المراقبة حتى في أدق الأماكن، الجميع خاضع للسيطرة.

الخلاصة

موسيقى هشام نزيه مثيرة وساهمت في مضاعفة جرعة الغموض، موسيقى مُريبة تبعث على الإرتياب، رغم أنها مشابهة إلى حدٍ ما بالموسيقى التصويرية لفيلم الفيل الأزرق والتي وضعها نزيه أيضًا.

تناغم الآداء بين ماجد الكدواني وخالد الصاوي متميز، كل منهما أدى دوره بحرفية وإقتدار وإحساس بأبعاد الشخصية ورؤية كل منهما تجاه الآخر.

مروان حامد مخرج مُتمكن وموهوب، حاول التعبير من خلال سيناريو أحمد مراد عن العصر الحالي الذي انعدم فيه الأمان والخصوصية، لكن ما يزال هذا السيناريو يحوي أفكارًا أخرى بمسحة فلسفية عن وضع وماهية الإنسان، لكن للأسف لم يتم التعامل مع كل تلك الأفكار بالمستوى المطلوب من الطرح والجدية، لكنه في النهاية يظل فيلمًا معقولاً، ولولا بعض الهفوات التي شابت السيناريو لأصبح فيلمًا جديرًا بالتميز.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend