مقالات

أدهم العبودي يكتب: “شيرين هنائي”.. أليس في بلاد العرّاب

أدهم العبودي.

مكالمة تليفونية واحدة مع د. “أحمد خالد توفيق” دفعت “شيرين هنائي” لاستكمال طريق الكتابة في حماس، إذ أبدى إعجابه بكتابتها، وقرّر أن يناقشها فيما تكتُب. كانت “شيرين” وقتذاك متعلّقة بالسينما، ولم تكن قد تخطّت حاجز السّابعة عشر بعد، لذا؛ أملت الالتحاق بمعهد السّينما لولا رفض والدتها، فدخلت كليّة “الفنون الجميلة”، وقد لا يعرف كثيرون أنّ “شيرين هنائي” رسّامة قبل أن تصبح كاتبة، وإن بات الرّسم –بعد ذلك- بالنّسبة إليها عالمًا ضيّقًا لا يكفي للتعبير عن كلّ ما يمور في خيالها، إذ أنّ الرّسم –في حدّ ذاته- مرحلة من مراحل الجمود الرّوحي؛ على حدّ تعبيرها، وبعد أن أنهت الكليّة، اشتغلت في شركة إنتاج رسوم متحرّكة، هناك قابلت صديقتها “حنان الكراجي”، فشجّعتها على الاستمرار في الكتابة، وسرعان ما انتهت من كتابة رواية قصيرة لها بعنوان “الموت يوم آخر”، تأثّرًا بعنوان

فيلم شهير لشخصية “جيمس بوند”، قام ببطولته الممثّل الأمريكي “بيرس بروسنان”.

كانت هذه الرّواية القصيرة بمثابة صكّ الاعتماد الحقيقي كي تستكمل مشوار الكتابة، حيث أرسلتها صديقتها إلى د. “توفيق”، وفوجئت “شيرين” باتّصال هاتفي من العرّاب نفسه، الذي حلّقت في عوالم كتاباته قبل أن تعرفه، إذ أنّ الصّدفة وحدها منذ سنين جعلتها تعثر يومًا على رواية اسمها “أسطورة لعنة الفراعنة” من سلسلة “ما وراء الطبيعة”، كانت “شيرين” مُغرمة بشخصية “أليس” التي رحلت إلى عالم العجائب، وبعد قراءتها لرواية “أسطورة لعنة الفراعنة”، استدعت بداخلها عالم “أليس” مرّة أخرى، بمعنى آخر، رُدّت إليها الرّوح ثانية، روح العوالم السّاحرة، إذ عكفت كثيرًا على التعامل مع الموجودات من حولها كأنّما هي حيّة، تتحرّك، تتألّم، تغضب وتثور، ومن بعد هذه الرّواية، طاردت “شيرين” الخيال، ونبشت في المجهول، وراحت تقرأ بنهم، وفي غضون سنوات كانت عندها مكتبة كُبرى، ليس غريبًا إذًا أن تعتبر “أحمد خالد توفيق” أباها وعرّابها الرّوحي، الذي ساعدها في بدايتها، ودفعها للتحقّق في عالم الكتابة.

إنّما؛ هل يُمكن أن يتّهم أحدهم “شيرين هنائي” بالتحرّر في الكتابة؟ وهل هذا يمثّل تناقضًا مع مظهرها المتحفّظ؟ وما هو مدى التحرّر –المفترض- في كتابة “شيرين”؟

بدأت “شيرين” برواية “نيكروفيليا”، وهي الرّواية التي اقتحمت فيها عالمًا مجهولًا، تحديدًا لم يقتحمه أحد من قبل، وهو عالم القبور، والمرض الذي يصيب القليلين، فيجعلهم يمارسون جماع الأموات، بمعنى أدق؛ هو انجذاب جنسي إلى الجثث، ويصنّف على أنّه أحد أنواع الانتكاس النوعي بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.
بعد صدور الرّواية، هاجمها الكثيرون، ربّما بسبب موضوع الرّواية، بل ربّما –في حقيقة الأمر- بسبب كونها أنثى تكتب رواية عن جِماع القبور، لكنّها ثابرت، خصوصًا أنّ ناشرها “هاني عبد الله” صاحب دار “الرّواق” قد غامر بداية بنشر رواية أولى لكاتبة لم يعرفها أحد بعد، رغم محاولاتها السّابقة في كتابة القصّة، إذ نشرت قصّتين مصوّرتين في كتاب جماعي اسمه “خارج السّيطرة” صادر عن دار “عين” للنّشر.

بعد رواية “نيكروفيليا”، أصبحت “شيرين هنائي” كاتبة يعرفها قرّاء كثيرون، الابنة الصّغرى المولودة في “الإمارات”، والتي يفرق بينها وبين أقرب إخوتها اثنا عشر عامًا كاملة، بات لها جمهورها، الطّفلة التي صادقت الطّبيعة، ولعبت مع المفردات وأثّرت فيها وتأثّرت بها، الطّفلة التي علّمتها أمّها القراءة ولم تلتحق بحضانة ككلّ الأطفال، الطّفلة التي كان يرى الجميع أنّ موهبتها الأصيلة والحقيقية هي الرّسم، الآن، صار عليها أن تخطو خطوة أخرى في طريق الكتابة، رواية ثانية.

“أليس” لم تزل تعيش في عالم العجائب المثالي، رفضت عروضًا لنشر روايتها من أجل أن تنشرها مع ناشرها الذي تحمّس لها وغامر معها، وبالفعل صدرت ثاني رواياتها، “صندوق الدُّمى”، والتي لاقت هجومًا كبيرًا أيضًا، أرجّح أنّه لدوافع لا علاقة لها بما تكتب، قدر أنّها بسبب القوالب التي كسرتها “شيرين” عبر الكتابة.

صدر لها بعد ذلك العديد من الرّوايات مع دار “الرّواق”، “طغراء” و”ذئاب يلستون” و”أسفار النهايات” وغيرها، وفي القريب، سوف نشاهد عملًا سينمائيًا كتبته “شيرين هنائي”، فهل بذلك تكون قد حقّقت كلّ أحلامها؟

قد يشكّك البعض فيما تكتُب، أو قد يرى البعض أنّ ثمّة مشاكل في أسلوب الكتابة لديها، مشاكل في البناء والصّياغة ورسم الشخصيات، أو ربّما مشاكل في إيقاع السّرد داخل رواياتها، إنّما؛ وعلى أيّة حال، تظلّ الكتابة دومًا مناطًا للآراء ووجهات النّظر، وتظلّ الكتابة الحقيقية عصيّة الفناء مع مرور الزّمن، فالكتابة تبقى، والكاتب المثابر أحقّ في البقاء من الكاتب الكسول، والمغامر يعيش، وسرعان ما يموت صاحب التوجّه الواحد، ويكفي أن نُدرك أنّ “شيرين هنائي لا تعرف لها مهنة أخرى ولا عالمًا آخر غير الكتابة، وكما قال لها زوجها: “طاردي حلمك حتّى تصيرين له كابوسًا”.
فهل ستعمل “شيرين هنائي” بنصيحة زوجها؟

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى