مقالات

أميرة غريب تكتب: حارس العشق الإلهي

أميرة غريب

بمحازاة الإنسانية سرد التاريخ، وبقسوة الأحداث خلق نصًا أدبيًا مميزًا، وبلغة مترابطة وسرد فاق حدود الإبداع أضاف عملاً تاريخيًا ملهمًا إلى مكتبة الإبداع المصري العربي. “أدهم العبودي” في روايته الصادرة حديثًا عن دار المصري للنشر “حارس العشق الإلهي” تحت عنوان التاريخ السري لمولانا جلال الدين الرومي.

ليست هي المرة الأولى بالـتأكيد أن تقرأ رواية عن الصوفية وسيرة مولانا “جلال الدين الرومي” ورفيقه الدرويش “شمس الدين التبريزي”، لكنك في رواية “حارس العشق الإلهي” للكاتب المصري “أدهم العبودي” أمام نصًا تاريخيًا متفردًا ومتميزًا مُفعمًا بالتفاصيل، ومملوءًا بالتاريخ والجغرافيا.

جَسَد “العبودي” في روايته الأخيرة صورة مرئية من الأحداث في قالب لغوي عميق، لغة تستفز القارئ فلا يستطيع بعد قراءتها أن يميز إن كان هو قد قرأ نصًا أدبيًّا، أم كان أمام لوحة بديعة غارقة في التفاصيل والمدلولات من الكلمات والتعبيرات!

الأحداث على الرغم من تباطؤها أو بالأدق انعدامها وسيرها على وتر يناشد القارىء بشكل منفصل لا متصل وكأنها تسير في سرد شخصي للعلاقات وظهورها بشكل سطحي نوعًا ما، إلا أن الشخصيات ظهرت مفعمة بالتفاصيل والحكايات منذ الطفولة وحتى البلوغ، دون ثقل في استخدام اللغة أو التباهي بالمفردات ودون إطالة أو ترهل في النص، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك نصوصًا تاريخية مقتبسة من المراجع والمقالات التي سردت تفاصيل غزو مدينة “مرو” ومدينة “نيسابور” على يد جنكيز خان ووصف قاس لما أورثته الحملات الصليبية وحروب التتر المتتالية على نفوس الضحايا جراء تلك الغزوات الدموية القاتلة في تشويق ومتعة معرفية؛ حيث ركز الكاتب على الجانب الإنساني والنفسي للأبطال جراء تلك الحروب والانتهاكات المحرمة إنسانيًا في كل دين وكل أرض.

انتقل الكاتب أيضًا بنصوصه البديعة في الرواية بين الأبطال “شاهين” و”شمس” و”جلال” و”كيميا” و”كيرا” بتشويق منظم من حيث الأحداث والوقائع من جانبها الإنساني وقدرته في الربط بين الصراعات النفسيه التي تعرض لها كل شخص منهم على حدى، حتى وإن اختلفت الأمكنة والأزمنة في معرض سرد النصوص.

أطلق “العبودي” عنان قلمه للخوض في كل شخصية باستخدام ضمير المتكلم فكانت سقطة وحيدة في روايته لما أحدثته من تفكك في الأحداث وعدم التفاعل بين الأشخاص فلم يصل للقارئ تلك الصلة الرابطة بينهم جميعا، حتى وإن كانت الخطوط العريضة للأحداث ككل تشير وتنير الطريق لهذا الربط، والوصل بين الشخوص بشكل أعمق من الربط المتحقق في الروايات ذات السرد المتلاصق والأحداث المسترسلة، فأنت هنا أمام نص مختلف ولغة رائقة ولائقة بالتحليل والتفسير والإغراق في التفاصيل، نص تاريخي إنساني يحمل العشق والوجع، القهر والأمل، النور والنار..

قسمت الرواية إلى قسمين الأول هو “المفترق” والذي ينقل حالة فردية لكل أبطال الرواية بأحداثها التاريخية الحاملة للرسالة الإنسانية التي أراد لنا الكاتب أن نقرأها ونستشعرها بين السطورفي كل لفظة وكل تعبير، أوجاع وانقسامات وانتهاكات وتصوير كلي للوحة النفس البشرية وما تحمله من صراعات وتناقضات، انتصارات وهزائم، والقسم الثاني هو “العثور” والذي التقى فيه العاشق بمعشوقه، وانتقل الصمت إلي حيز الكلام و ارتجف القلب للطريق والحياة، وأبصر الضرير ببصيرة النور والعشق.

حالة عشق متكاملة بكل ما تحمل من مراحل إنسانية تستطيع خوضها بنفسك عند قراءة رواية “حارس العشق الإلهي”، وفي النهاية هي رحلة للبحث عن الحب وعن الذات، محاولة عميقة في كشف الأسرار وخوض المعارك وإجابة للاستفهامات التي تحيط كل إنسان مازال قادرًا على البحث والاستكشاف والهروب من الأدلة العقلانية سعيًا وراء قلب نابض بحب الله.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى