مقالات

سامح فايز يكتب: الثقافة.. وزارة عجوز أنقذها الشباب

سامح فايز

في افتتاح أحد قصور الثقافة منذ عامين فضلت الذهاب قبل حضور الصحفيين والوزير، عرفت الطريق من أحد موظفي الوزارة وانطلقت إلى وجهتي، على باب القصر لم أجد من أسأله، أخذت أتجول في المكان الجديد دون أن يستوقفني أحد، كأن المكان الجديد أصبح مهجورًا، هناك قابلت صديقي موظف الوزارة الذي حضر هو أيضًا باكرًا لتهيئة المكان لاستقبال الوزير، أخذني في جولة داخل المكان، مسرح ضخم، مكتبات تستوعب العشرات من القراء، طوابق عديدة وغرف فندقية للزوار.

 تركت صديقي ينتهي من عمله واستكملت تجوالي منفردًا، على باب القصر شاهدت سيارات الشرطة تحضر في السابعة مساءً قبل حضور الوزير بنصف ساعة تقريبًا، طوقت المكان، وضعت الحواجز، فتشت المارة. لو احتاج إرهابي أن يفجر المكان لفعل ذلك بسهولة، ليس عليه إلا أن يحضر باكرًا مثلي ليدخل القصر دون أن يستوقفه أحد!

قبل حضور الوزير بدقائق شاهدت مسئولي قصر الثقافة ومجموعة من الشباب الصغير يهرولون إلى الداخل متجاوزين حواجز الشرطة، تصرخ فيهم سيدة خمسينية: “كل واحد عارف مكانه، بسرعة قبل الوزير ما يجي!”.

حضر الوزير فأضاء المكان واستحال الليل نهارًا وارتفع صوت الحضور وسط الموسيقى التي أحيت ميتًا كان منذ دقائق، دخل الوزير يتبعه القادة والمسئولين والموظفين يشرحون له مميزات القصر الجديد، ثم توجه إلى المكتبة، فوجدتها وقد امتلأت بالشباب فجأة، أين كانوا صباحًا؟!

هم نفس الشباب الذين مروا سريعًا بين حواجز الشرطة توجههم الموظفة إلى أماكنهم، هل يستأجر موظفي وزارة الثقافة “كومبارس” لاستكمال المشهد؟ أم يحضر الموظفين بعائلاتهم لانقاذ الموقف؟

تكررت المسألة في عهد وزراء مختلفين في أماكن مختلفة، شاهدت نفس الحكاية في ندوات معرض الكتاب وموظفي الوزارة يتم حشدهم لحضور ندوة لكاتب كبير صادف أن أحدًا لم يحضر لمتابعته.

مبادرة بلدنا

لكن؛ منذ أسابيع أعلنت “مبادرة بلدنا” المهتمة بالتنمية الثقافية عن مؤتمر للشباب برعاية وزارة الثقافة ووزارة الشباب وجامعة جنوب الوادي، فتح باب القبول وتقدم المئات من كل محافظات مصر، أجريت مقابلات قام بها أعضاء لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة في محافظات القاهرة والإسكندرية وقنا.

قبل الافتتاح بأيام اختفى اسم وزارة الشباب من دعاية المؤتمر دون سبب واضح. وفي يوم الافتتاح بدار الأوبرا المصرية امتلأ المكان بالشباب. هذه المرة حضور حقيقي وليسوا موظفين!

على منصة الحفل صعد شاب في الثالثة والعشرون من عمره، “مصطفى عز العرب” مؤسس ومنسق المؤتمر، وأيضًا مسئول مبادرة بلدنا صاحبة الفكرة والتي قدمها للوزارة من خلال لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة.

1800 شاب تقدموا للمقابلة، اختير منهم 250 شاب مثلوا جميع محافظات مصر، حضرت فتيات من شمال سيناء، من العريش، حضر شباب من الأقصر وأسوان وقنا وسوهاج وأسيوط والمنيا، وعلى مدار أربعة أيام استكملت فعاليات المؤتمر بقصر ثقافة الأقصر، أربعة أيام من المناقشات الجادة بين الشباب وقيادات وزارة الثقافة، نقاشات استمرت لساعات على مدار اليوم، من العاشرة صباحًا وحتى الثامنة مساءً، اشترك فيها الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، ورئيس أقليم الصعيد بهيئة قصور الثقافة، ومدير المركز القومي للسينما، ومسئول لجنة الشباب بالمجلس، ومدير الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس.

اللافت للانتباه في المناقشات أن هناك فجوة كانت واضحة جدًا بين الشباب والوزارة، الاثنين لا يعرفان شيئًا عن بعضهما، وكلما سأل الشباب عن شيء رد القيادات، لو دخلتم موقع الوزارة الإلكتروني لوجدتوه!

حالة من الاندهاش كنت اتابعها ترسم وجوه المتناقشين. وتبدل الوجه الرسمي لقيادات الوزارة ليتعاملوا ببساطة أكثر مع الشباب، لتستمر المناقشات في بهو الفندق المقيم فيه الشباب، أحيانًا في استراحة قصر الثقافة، حدث أنني ذهبت إلى استراحة القصر لأجد مجموعة من الشباب يجلسون بصحبة قيادات الوزارة يقدمون مواهبهم، عزفت فتاة على العود، فغنى آخر، فخرج شاب ثالث بعرض بانتومايم، وقدم رابع  مشهدًا مسرحيًا.

كان اشتباكًا حقيقيًا بين الشباب ومسئولي وزارة الثقافة، نتج عنه توصيات يسعى الجميع لتنفيذها الآن، نفذ بعضها بالفعل حتى قبل أن ينتهي المؤتمر، وهي مسألة غير معتادة على وزارة الثقافة. وفي اليوم الأخير حضر وزير الثقافة لختام المؤتمر، وحدث أن طلب مقابلة الشباب في الفندق، وجلس معهم لأكثر من ساعة يستمع للأسئلة، أيضًا ظهرت الفجوة من جديد بين الوزير والشباب، هو يقول الفعاليات تملأ المحافظات، والشباب يقولون لا نعرف عنها شيئًا، قصور الثقافة مهجورة، بغض النظر عن السجال الدائر لكن مجرد الاشتباك والنقاش فائدة للجميع.

وبغض النظر عن بعض السلبيات نجح مؤتمر “دور الشباب في الإصلاح الثقافي”، نجح لأن منظميه من الشباب، إذ حضر فقط ستة من موظفي المجلس الأعلى للثقافة وشارك 12 متطوع من الشباب فى  تنظيم فعاليات المؤتمر، حتى المصور كان متطوعا من شباب مبادرة بلدنا، أقارن بين ذلك الرقم وبين مؤتمر أدباء مصر الذي تنظمه سنويًا الهيئة العامة لقصور الثقافة  ويشارك فيه ما لا يقل عن 70 موظفًا بحجة تنظيم فعالياته.

نجح المؤتمر لأن وزارة الثقافة وللمرة الأولى وثقت في شاب عمره 23 عامًا عضوًا بلجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة وهو أصغر عضو في لجان المجلس، نجح المؤتمر أيضا بسبب جهد موظفي الأمانة العامة للمؤتمرات ولجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، نجح المؤتمر بسبب مجهودات فردية لأشخاص صادف أنهم اجتمعوا في فعالية واحدة، وأرجو أن تتعدد الصدف.

وفي نهاية المؤتمر أدرك قيادات وزارة الثقافة أهمية وجودهم بين الشباب، الذين أعادوا الحياة مرة أخرى لأروقة مواقع الوزارة، فوعدوا بتنظيم المؤتمر مرة أخرى، في شمال سيناء، ليعقدوا جلسات نقاش مع الشباب من جديد، ليعرفوا توصياتهم وينفذوها، لتجدد الوزارة العجوز دمائها.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى