مقالات

مروى علي الدين تكتب: رُواية مُودِّع

“الناس مهتمون بشيء لم يعد يُثير اهتمامي، والحقيقة أنني حظيت بالقبول قبل وقت طويل، على الأقل، لدى من كان يعنيني أن أحظى بالقبول لديهم. وليس شيئًا بالنسبة إليّ أن أحظى بقبول العامة. بل هو أمر مؤلم. لأنني حظيت بالقبول بناء على الأسباب الخاطئة”.

إرنست همنجواي

قد يكون أروع ما يقوم به شخص ما في مُجمل حياته، أن يكتب قصة أو قصيدة.. وقد يكون أبشع ما يكون شخص ما مدفوعًا إلى فعله، هو مُقاومة الانزلاق إلى فخاخ تأويل وتفسير قصيدته. مثلما يكون الكشف عن الحقائق وآليات الكتابة الأدبية مُهينًا ومُخزيًا، لأنه ينزع عنها روعة التفرُّد، ويعبث بأصالة كينونتها، كذلك خروج المعاني المُبتسرة ، على أنها أفكار فذّة..

عادةً كل الأفكار البرّاقة،  أن يأتي بائعو الغُبار والوهم؛ ومهمتهم هي طمس الرأي وتشويه الحقائق. فمهما ابتعدنا أو اقتربنا من الواقع، نجد أنفسنا مُحاطين بدواعي المنفعة، ونظريات المكسب والخسارة، وتداعيات المُتغير والثابت، والمعركة الأزلية بين الماضي والمُستقبل، وهنا الحاضر ليس سوى ذخيرة الحرب!

نحن لم نكن لنحيا الماضي بوصفه ماضيًا، ولا نعرف الكثير عن المستقبل كي نتطلع إليه بروح المُشتاق، بل نستعمل الحاضر الحي الموجود الملموس -الذي نعرفه ونحياه- كي نُترجم ما استُغلق علينا فهمه بين هذا وذاك، الحاضر هو أداتنا الوحيدة الحقيقية، والواقعية في الفهم والاسترشاد. وفي كل المُجتمعات بين أقطار الأرض؛ فئة قليلة تحمل على عاتقها الدفاع عن رأي ما.. النضال من أجل فكرة، والاستبسال من أجل الكشف عن حقيقة!

هؤلاء تعوزهم الخبرة بمرتكبي الشرورو والآثام. أهدافهم النبيلة،تدفعوهم إلى حسن الظن بأن “الإفصاح” هو أول خطوة في هذا الطريق الشاق، وغفلوا عن جزء أصيل من الحقيقة، ألا وهو أن الرأي المحمول على أكتاف الكاتب، جزء كبير منه؛ موضوع بين يدي القارئ يجب أن يتلقاه بشجاعة، ويتقبله بوعي يقظ لا يقبل الاستقطاب، ويرفض الانصياع لموروثات مُعلبة، أغلبها فاسد. وإذا لم يحدث هذا، سيظل المُفكر، والمتلقي، قوسان يتقابلان، يتواجهان، يتعاكسان، ولن تكتمل الدائرة أبدًا.

لا عجب أن يسقط رُعاة القيم، ودُعاة التغيير، والمُبدعين ، صرعى التناقض، بين ما يرونه، وكيف يراهم كل من هم خارج الدائرة!.

الفكرة وصاحبها هنا كمثل عصفور سجين، في قفص زُجاجي، لن يختبر مسافات الطيران التي يقدر عليها سوى بتجربة حقيقية، وأول أفعال العصفور الطليق، هي استنهاض الهمم لتحطيم الحواجز الزُجاجية كلها، فمتى تبقى جدارًا، ظهر مُناهضو الحُريات، وأقاموا بدلا من الجدران سدودًا..

تهذيب الواقع

سنتوقف لحظة عند عنوان يحفظه العامة والنُخبة الثقافية “حرية التعبير”. لا لسبب سوى ضرورة التفريق بين انسحاب دلالة الاستهتار على الحرية، وكيف أن الحقيقة ليست سوى الشعور بالمسئولية التي تقود نحو استخدام خاصية التعبير بحرية. لأن الحرية هي حكر على من يتحملون آثارها، كذلك الذين يستخدمون هذه القوة بلا وعي أو مسئولية  تجاه قوتها -قوة التعبير- يحملون السلاح الذي يصبو بفوهته نحو صدورهم قبل أن يُصيبوا آخرين..

بعد أن انتهت اللحظة، نعود إلى “تهذيب الواقع” من قِبل رُعاة الأخلاق، وهو ليس إلا نوع من الاحتيال على قوة الحرية بكل ألوانها. ولن نذهب بالقول أن التعامل مع الدين والأخلاقيات المُجتمعية والتوجهات السياسية هو نوع من “الاتباع بعد انطباع” أكثر من أن يكون نوعًا من المُناصرة للقناعات والآراء. فالمجال أبدًا لن يتسع لمثل هذا الاستقراء. رغم أنه في المُجتمع المصري على وجه التحديد التعامل مع معطيات وقضايا “الدين”، و”الأخلاق الفاضلة”، و”الحاكم”، يكون على أنها مُسلمات غير قابلة للنقد، ولها من القداسة ما للنص الديني من الحصانة التي تحول دونه ودون النقد.

مُجرمو النقد، هم أنفسهم مُروجو الأفكار الفاسدة، كسلعة رخيصة سريعة الرواج. ومن يحترف القتل، يعرف جيدًا أي الوسائل الأكثر تعذيبًا، فذوبان الروح من فرط العذاب شيء، وسفك الدماء والقتل نفسه فعلٌ آخر! . وبين براثن النقد والتسويق ينكب النص الأدبي خاضعًا مقهورًا أمام أيدولوجيا الانتقاء، والتصنيف، كذلك تحليل المُحرِض من وراء الإشارات السياسية، والتلميحات الدينية، والتعابير الجنسية على هوى الكاتب . شرر النقد الأول يجيئ حاملًا في ظاهره الرحمة، وبين كفيه مشانق من مسد، كفيلة بأن تسوق مُجتمعًا بأكمله إلى المقصلة إذا ما فُتح الباب أمام أحد النصوص المُخلخلة لموروث العيب والحرام والمحظور، ففي كنف “العيب” تتوارى التلميحات الجنسية، وخلف ظهر “الحرام” تختبئ الأراء النقدية للمُنصَهَرْ الديني، وفي أحشاء “المحظور” تخفُت كل الآراء السياسية!

من هُنا يسبق النقد الخيال في لحظة الميلاد. ويفعل “الخيال” فعل المُطارد بالهروب والتخفي، و”الرأي” يخرج كجنين لم يكتمل، أو ينقصه شيء داخلي، غير مرئي لكنه بالضرورة محسوس؛ والقارئ الخبير لن يخفى عليه هذا النوع من الارتباك والحيرة؛ بين تقديم قدم، وتأخير أخرى في الإدلاء برأي، أو الإفصاح عن وجهة نظر، أو حتى تقديم أسئلة جائزة مكفولة الحرية بأحكام الإبداع وحرية التعبير!

الخيال منذ قديم الأزل وهو أداة للمعرفة، تُآزر العقل في التقييم والاستكشاف والتمحيص، بل وفي التطوير أيضًا. في حال عجز أدوات المعرفة، والتلاقي الثقافي بين فئات مُغايرة بين مُثقفين، وممتهني الفن.. أما عوام المُجتمع؛ فهم بالضرورة الفئة المُستهدفة من قِبل كل مُروجي الأفكار من نوع السياسة أو الدين أو الطفرة التنويرية .

الهوة السحيقة

قد نُناضل من أجل إنقاذ صرعى التناقض النفسي، الذي سقطوا بين المفروض -من وجهة نظرهم- والواقع ، رُغم أن هُناك إشارات حقيقية بأن مسألة النقد “المُعاقب للأداب” قد حُسمت. ورد الفعل بين راعي القيم، والدوائر من حوله، أصبحت أشبه بعلاقة الطبيعة بجنين مُبتسر.. “الفعل التراكمي”، نجح في تكوين “رد فعل تراكمي” كما هو مُخطط له بالفعل! وانتثرت الآراء النقدية اللاذعة المُعاقبة، فأصبحت مُشكِلاً لوعي الكاتب ولاوعيه!

هذا الطمس للحقائق، ليس إلا مُحاولات لتغييب المعنى الحقيقي، لأن المعنى المرسوم داخل إنحناءات لا يصل أبدًا، بل يظل أسيرًا للتأويل حتى تكتمل إرادة الكاتب ويُفصح عن المعنى الحقيقي الناضج، الذي دافع عن نفسه، وأحقيته بالخروج ومواجهة العالم، واستقبال الحياة بكل ما فيها، ولكن هذه المرة كمولود مُكتمل لا يخشى الظروف، وعنده القابلية للأخذ والرد، وساعتها فقط لن يتنصل الكاتب من أفكاره. فالأفكار اللقيطة، والمعاني المبتورة، لن يتبناها أحد، ولن يُدافع عنها أحد.

كذلك، ليس ثمة معاني جاهزة، أو بلا أصل يُمكن ردها إليه وشرحها وتأويلها وتفسيرها، ومعاينتها كما يحدث تمامًا مع الأشياء المُجردة!

لن ننسى أنه مثلما يجيء الكاتب مُحملًا بخبراته في التقديم، يجيئ المُتلقي مُحملا بخبراته في الأخذ والتناول. فالذي تعلَّمه الوعي المُجتمعي، مُغاير لما هو عند المتخصصين بعلوم النقد وفنون، ورد أنواع الأدب إلى أجناسها. فليس سوى النقض والهدم، وربما سقط المُجتمع كله في الغفلة أن “النقد هو فن التأويل والتحليل”، باعتبار الرائي فنانا يحمل السراج ليضيء الطريق أمام الفنان الأول، وليس العكس بأن يكون النقد هو فن إطلاق الأحكام، وليس أي نوع من الأحكام، بل هي أحكام مُطلقة، ومُطبَّقة في آن. فكم من الأعمال الأدبية تمت مُصادرتها، ومُهاجمتها، والنيل من صاحبها، قبل أن تحدث أبسط درجات التفاعل، بل إن العقل الجمعي أجاز لنفسه الحق في جعل مُجرد الانطباعات حول الموضوع، أحكامًا..

أدب الكبار

الفئة المُستقلة الساعية للتغيير، مُحاولاتهم هي التي تُحرك الماء الراكد، والعقل الراكد، وتكشف عن حقيقة المفاهيم الراسخة التي اهترئت، لفرط ضحالتها، وهشاشة ما تستند إليه. وهم المُغردون خارج السرب؛ الذين تبادلوا النصح فيما بينهم بألقاب يعزونها إلى توحيد الصف فيما بينهم وبين بعضهم، وكذلك للتميزعن البقية من رُعاة الأجناس الأدبية المُغايرة لهم.

وهو نوع من زراعة الأمل لدى القارئ، لكن بطريقة قاسية، مثلها مثل قرار الجراح بإجراء عملية بشكل عاجل، فلا مجال للتردد، أو حتى التراجع حيال القرار.

في حال كان التساؤل مُباحًا:

كيف ستكون طبيعة الأدب الجائز الاقتداء به، واستنساخه، وإمكانية اقتباس تعليلاته للقيم والأخلاق الفاضلة، والآراء الجائز تداولها، وما نوع الفن المُتحقق حسب الطلب؟!

“ما كان في استطاعة غيرك أن يفعله؛ لا تفعله. وما كان في استطاعة غيرك أن يقوله؛ فلا تقُله.. بل حاول أن تخلق في نفسك -بكل صبر وأناة- ذلك الموجود الفريد الذي هيهات لغيرك أن يكون بديلًا عنه”.

 ” أندريه جيد”

   كاتب ومُفكر فرنسي

 

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع موجه للنخبة المثقفة أكثر منه للقارئ العادي، ولكني أرى أن النقد بريء ومتهم في آن؛ لأن النقد في نظري ابداع مواز وليس أداة تحريم او تحريم او تطبيل، فقد امتهن النقد عديمو الموهبة، من استباحوا الإبداع من أجل إرضاء الكاتب أو الحاكم أو رجل الدين، ولا يجب على المبدع أن يلتفت إلى ذلك .. وليجعل خياله حرا

زر الذهاب إلى الأعلى