الرئيسية / شباك / فنون / محسن البلاسي يكتب: “مان راي” وتناسل الفنون

محسن البلاسي يكتب: “مان راي” وتناسل الفنون

الفنون كائنات حية تحب وتكره تتزاوج وتتناسل، فتزاوج وتناسل الأدب والفن والنحت موجود منذ بداية التاريخ وطفولته، ومع بداية القرن الماضى بدأ تزاوج وتناسل الفنون يأخذ منحنى تطورى آخر، حيث اختراع السينما والفوتوغرافيا والتطور الكبير الذى طرأ على الأدب والفنون البصرية والموسيقى، وفي رأيي لم يتجلى تزاوج وذوبان الفنون في بعضها مثلما حدث بدايةً من الحركة الدادائية حتى تطورها إلى المدرسة والتيار السريالي (الثورة السريالية) وتكون الجماعات السريالية حول العالم، في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، حيث سطعت شمسها في باريس كالعادة، وتوافد السرياليون والحالمون على باريس منبع الثورة السريالية.

فعلى مقاهي “سانجيرمان” في باريس تزاوجت أفكار وفنون العديد من الفنانين والكتاب مثل “بول إيلاور وب”، و”رينيه كريفل”، و”روبرت ديزنوس”، و”جاك بارون”، و”ماكس موريس”، و”بيار نافيل”، و”روجر فيتراك”، و”غالا إلورد”، و”ماكس إرنست”، و”سلفادور دالي”، و”مان راي”، و”هانس آرب”، و”جورج كالكيني”، و”ميشيل ليرس”، و”جورج ليمبور”، و”أنطون أرتود”، و”ريموند كوينو”، و”أندريه ماسون”، و”جوان ميرو”، و”مارسيل دوشامب”، و”جاك بريفرت”، و”إيف تانجي”.

وحديثنا اليوم عن المصور الفوتوغرافي والرسام والسينمائي -الأمريكي المولد، والباريسي التكوين- إبن العائلة الروسية اليهودية، مان راى أو (إيمانويل رادنيتسكي)

كان يقال في باريس آنذاك، إن في هذه المدينة، العاصمة الفنية للعالم دون منازع هناك خمسين ألف رسام ومصور حول مونبارناس، لكن كان هناك مان راي واحد، يمثل الطفرة الفريدة في التاريخ الفوتوغرافي.

كان مان راي يؤمن بأن الكاميرا هي ابنة شرعية لفرشاة الرسم وأنها الجسر الأقوى للربط بين المجازي والحقيقي، بتجريد نادر للواقع الحي وذوبانه مع اللاوعي واللامرئي في العقل البشري تاركًا للصدفة والتلقائية العبثية حيزًا كبيرًا في صياغة أعماله الفنية التي تلعب وتعبث في مرايا الذات والواقع، عبر صوفية رخاوة الأجساد والذوبان فيها في مشاهد روائية تحكي وتسرد الكثير، فلقد تعامل مان راي مع الجسد بوصفه البوتقة العليا التي تصب فيها جميع الأفكار وتعامل معه كخطاب جمالي، يستنطق الأجساد لتقول ما يفكر فيه مان راي وتفكر فيه موديلات أعماله الفنية، مجسدًا جسد المرأة بشكل تعبدي وكأنها المخلوق المختار أو الجنية المختارة لحكم العالم ورمز الخلق (رحم الوجود) بل إن المرأة هي الوسيط الوحيد للإنسان نحو العالم الخارق فجسد المرأة بالنسبة لمان راي هو الحرية الكاملة التي يلتقي فيها الكائن بحقيقته ويسحق بها كل الصدأ الأخلاقي والمجتمعي ويزدري التحريم بكل أشكاله وأنواعه، ففي مُعظم أعمال مان راي يحاول أن ينفي أي شعور بالإثم بكل أشكاله

(كما في هذا العمل الذي يعبر عن أن الأنثى هي الوجود الخصب لكل شيء، ودونها هو الفراغ القاتم)

ومازالت أعمال مان راي الخصبة تتزاوج مع العديد من الفنون حتى يومنا هذا… مان راي الذي نحت بفرشاته الأجساد الثائرة للفنانات والمفكرات في دوائر الجماعة السريالية في باريس،، نحت على أجسادهن أفكاره ورؤاه الفلسفية، حتى أنك تكاد أن تقرأ على تلك الأجساد أعمالا أدبية وقصائد تنسجها من مخيلتك حين يذوب بصرك في اعماله. حتى صوره لعارضات الأزياء يضع فيها رؤاه وأفكاره الفلسفية.

وها هو يقول:

“أرسم مالا يمكن أن أصوره: ذاك الذي يأتي من الخيال، من الأحلام، من اللاوعي؛ وأصوّر ما لا أرغب في رسمه: ذلك الموجود بالفعل”.

ولن أنسى أبدًا حين ألهمني البورتريه الذي التقطه مان راي لـ “فيرجينيا وولف”

وجعلني دون أن أشعر أكتب لفيرجينيا ولهذا البورتريه قصيدة (بورتريه لفيرجينيا) هذا هو جزء منها:

فيرجينيا يا عنقاء أجادت الطيران بجيوب مثقلة بالحجارة
أطلقي سراح النجوم الآيلة للانتحار اللذيذ

فيرجينيا وحيدة وأحلام عارية
اخلعي الكلمات من أحشاء السماء المجنونة وطرزيها على صدري الخشبي

فيرجينيا يا ملكة جمال المجانين
يا حقيقتي الغامضة

بالإضافة لذلك قام بتصوير بورتريهات لـ (لميريت ابونيام، سلفادور دالي، انتونين آرتو، بيكاسو)

بورتريهات نحت فيها بمطرقة الأضواء والظلال رؤاه ورؤاهم الفلسفية معبرًا عن فلسفة الجماعة السريالية في هذا الوقت وعن رغبات ومشاكل وطموحات البشرية في هذا الزمن.

 

أما في لوحته الأشهر (الفيولين) يتجلى مان راي حين يدمج ويزاوج بين عرى الموسيقى وهارمونية الجسد والروائح الباريسية وروائح عدة حضارت في صورة لظهر حبيبته الراقصة والفنانة الإستعراضية الباريسية البوهيمية “كيكي” منقوش عليه حرفين لاتينين كانا ينقشان على آلات الفيولين.
ولقد قيل أن الرسام الفرنسي وعازف الفيولين أنغر قد زار مان راي في حلمٍ ما فاستوحى مان راي من لوحة أنغر “Bather of valpincon” “لوحة الفيولين” مُرسخًا لفكرة موسيقى جسد المرأة وهارمونيته مع الكون

 

أما بالنسبة لإنتاج مان راي السينمائي فلقد بدأ مشواره السينمائي في مطلع العشرينيات حيث نشوة الحركة الدادائية بفيلم لطم به الذوق العام والأخلاق التي كانت سائدة وهو فيلم Le retour à la raison الذي أعجب به “تريستيان تزارا” وقدمه في العديد من المهرجانات الدادائية، والفيلم عبارة عن تداعي حر لأضواء وظلال ودوائر وأشكال وجمادات تتحرك بلا منطقية أو ترابط وتمثل اللا وعي الإنساني بعد الحرب العالمية الأولى، وتوالى إنتاجه ومحاولاته السينمائية حتى جاء عام 1926 وأخرج فيلم (Emak-Baki) الذي أحدث طفرة فنية وقتها حيث شاهدنا لأول مرة الرسوم المتحركة تذوب في المشاهد الواقعية في بلورة ناضجة ومتطورة لاتجاهات وتنظيرات الدادائية وفيه هذا الفيلم قام مان راي بالاستعانة بمنحوتات لبيكاسو وهذا ما أعطى الفيلم مزيدًا من الزخم وقتها دامجًا بين الفوتوجرام والنحت والسينما.

وجاء عام 1928 وقرر مان راي دمج وتزاوج وتناسل سينماه مع الأدب فقرر أن يخرج فيلم مستوحى من قصيدة للشاعر السريالي روبيرت ديزنوس. وقد لاقى هذا الفيلم نجاحًا كبيرًا بعدما ظهر فيه التطور الشديد في كاميرا وعين ومخيلة مان راي ولعبه الناضج والتقدمي بالكاميرا وذوبانها الكامل مع القصيدة المستوحى منها الفيلم.

ولقد أستوحيت أنا من اعماله ملامح لشخصيات أدبية ونصوص أدبية فلقد جاء لي مان راي في حلمي وهمس في أذني، استيقظ وامسك بفرشاتك. فاستيقظت فورًا ورسمت ثلاث لوحات مستوحاة من أعمال مان راي:

 

سيظل مان راي طفرة فنية زاوجت بين الفنون والآداب وسيظل إنتاجه نبع يلهم الفنانين والآدباء على مر التاريخ.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend