مقالات

أحمد أسامة يكتب: عما أريده من العالم بعد بلوغي الثلاثين

أمس أتممت من عمري ثلاثون عامًا.. يتبادر إلى ذهن القارئ أو المستمع لهذا الرقم أنه رقم كبير، لكن الحقيقة غير ذلك، فأنا مازلت أرى نفسي صغير، لي مآرب وطموحات أسعى إلى تحقيقها، إلا أن من حولي قد يكون لهم رأي آخر، بأني قد وصلت إلى متوسط عمري في هذه الحياة، بغض النظر وأن هناك أولويات عليّ الاهتمام بها، بغض النظر عما أريد أن أفعله.

يتبادر إلى ذهن القارئ تشابه عنوان المقال مع عنوان مقال الصديق الراحل “البراء أشرف” وهذه حقيقة لا أنكرها فمقاله ألهمني فكرة هذا المقال، وأعلم أنه ما كان يمانع استعانتي بفكرة من أفكاره، كما اعتاد أن يلهمنا دائمًا، إلا أنني قررت أن تكون فكرة هذا المقال مختلفة قليلا، فأنا هنا لأتحدث عما حققته خلال الثلاثون عامًا المنصرمة من عمري وليس عما أريد تحقيقه مستقبلاً.

عندما ألقي نظرة سريعة على سنيني الفائتة أجد أني في السنوات الأخيرة أصبحت منجذبًا بشدة إلى عالم القراءة والإطلاع خاصةً فيما يتعلق منها بالروايات، حيث يزداد اقتناعي يومًا بعد يوم أن أقوى صفة يتحلى بها أي إنسان هي الخيال.. قد يفسر البعض ذلك بأنه محاولة للهروب من الواقع الذي ليس له وصف يوفيه حقه، إلا أنني أجد نفسي مندفعًا للرد عليهم أن هذا الواقع أضحى دربًا من دروب الخيال!

بالعودة إلى تجربتي مع القراءة ألاحظ أن القارئ في مجتمعنا خصوصًا في مرحلة الشباب ينظر إليه بنظرة تعلوها الدهشة وكأنه كائن من عالم آخر، على الرغم من أن هذه النظرة انحسرت في الفترة الأخيرة نظرًا لاقبال كثير من الشباب على القراءة ولو على سبيل التغيير أو على سبيل المجاملة لصديق قرر اقتحام عالم الكتابة والنشر، وما أكثر هؤلاء حاليًا سواء قراء المجاملات أو الكتاب الجدد، إذ أشعر أن هناك ماسورة كتاب تم إطلاقها على الجميع فلا تستطيع أن تدرك ما الذي يحدث ولمن تقرأ، ويتيه فيها الموهوب بعديم الموهبة ويختلط الحابل بالنابل.

القارئ في بداية اهتمامه ينجذب إلى الكتاب ذو الصفحات القليلة، فهو يريد أن يتشجع ويتحسس طريقه في ذلك العالم خصوصًا إذا اقتحم ذلك العالم وحيدًا من دون مساعدة أو إرشاد من أحد، وقد قامت روايات رجل المستحيل وماوراء الطبيعة بواجبها على أكمل وجه في تلك المرحلة، فمعظم هذا الجيل إن لم يكن جله بدأ مشوارة بالمرور على هاتين السلسلتين.

وعلى الرغم من المصاعب التي تواجه القارئ خصوصًا إذا كان مازال طالبًا في المرحلة الثانوية فلن يجد أي تشجيع من المنزل الذي تسوده ثقافة ذاكر واحصل على مجموع وعند دخولك الجامعة افعل مايحلو لك ولاداعي لإضاعة الوقت في تلك القراءة التي لن تفيدك في كراسة الإجابة!

تنتقل بعدها لمرحلة الروايات الطويلة وهي بالنسبة لي مرحلة التيه وهي مرحلة قد تطول لسنوات عديدة يزداد فيها التخبط بين السيء والجيد والرائع والأسوأ على الإطلاق والسير وراء وهم وسراب أفضل الروايات مبيعًا في الأسواق؛ إلا أن تلك المرحلة تبدأ في الخروج منها حين تتوجه لقراءة أعمال من عينة محمد المنسي قنديل وبهاء طاهر وخيري شلبي وإبراهيم عبدالمجيد وعمر طاهر وعزالدين شكري؛ وغيرهم، حيث تلاحظ على نفسك بعض التطور وقيامك بالانتقاء وعدم انكبابك على كل ماهو جديد ومتداول، فشهرة الكتاب ونجاحه في الانتشار ليست دليلاً أو معيارًا على جودته؛ أو تمكن كاتبه من إبراز موهبته وأسره لك لمتابعته وتستطيع التمييز بين ماهو صاحب موهبة حقيقية من الكُتاب الجدد ومن لا يمتلكها، وتنتهي تلك المرحلة بتعرفك على وجود مايسمى جوائز الإبداع والكتابة المحلية والاقليمية والتي تسهم كثيرًا في تطوير ذوق القراء ومساعدتهم على الإطلاع على الكتاب والأدباء العرب الآخرين ..

المرحلة التالية تدعي مرحلة الحنين الى الماضي، وحينها تكتشف أن هناك أدباء وكُتاب عظام من الأجيال الفائتة خلَّدوا أسماءهم بروائعهم وإبداعاتهم وشكلوا تاريخ مصر الثقافي بقلمهم، وهؤلاء نحن في حِل عن ذكر أسمائهم، فلم أصل بعد لهذا الشخص الذي يقيم أعمال ذلك الجيل أو يدعي أن منهم من هو أفضل من غيره، ولكن بقليل من البحث والتقصي ستجد الأعمال والأسماء تتراقص أمام عينيك تحثك على إجتذابها وإحتوائها بيديك لتصفحها وقراءتها والغوص في عالمها وتنسم رائحة وعبق التاريخ والماضي من خلالها …

المرحلة الأخيرة وهي مرحلة العالمية والتعرف على الأعمال الأدبية الأجنبية والحصول على المتَّرجم منها، ومدخل تلك المرحلة الاهتمام بالأدب الروسي وأدب أمريكا اللاتينية، حينها ستدرك كم كنت نائمًا طوال السنين الماضية وتائهًا تتخبط بين أغلفة كثيرة لا معنى لها وأنك وضعت يدك على الكنز المفقود فتنهل منه على مهل وتدع أمواج تلك الرحلة تلاطمك وتنقلك من شاطئ إلى آخر في رحلة تبدوا أنها بلا نهاية إلا أنك من أعماق قلبك تتمنى إلا تكون هناك لتلك اللذة والمتعة وتسعى جاهدًا متنقلاً بين أرفف المكتباب لمطالعة كل ماهو قيم أدبيًا ومعرفيًا..

بين تلك المراحل عاملين مشتركين، مشترك وقاسمين يجمعهم ألا وهو معرض الكتاب فهو الفعالية الأكثر جماهيرية والأعرق كذلك وسبب رئيسي في تشجيع المترددين عليه لجذبهم شيئًا فشيئًا إلى عالم القراءة بدايةً من من المطبوعات الإعلانية ومرورًا بمختلف مصنفات الكتب حتى المراجع وأمهات الكتب في شتى العلوم، أما العامل الآخر فهو جذب القارئ رويدًا رويدًا إلى البحث خلف بعض الأحداث والمعلومات التي تميط اللثام بعض الشيء عن وجه العصور الثقافية المختلفة، فتجد نفسك متورطًا في مطالعة تاريخ قد يظن البعض أنه قد اندثر، إلا أنه يظهر أمامك فجأة بدون سابق إنذار وقد أصبح ذلك أيسر من من تناول رشفة ماء فمبجرد ضغطة زر على شبكة الإنترنت تحصل على مبتغاك بل وتقوم بتحميل الكتب إلكترونيًا لمطالعتها وقتما تشاء على هاتفك المحمول على الرغم من المتعة الكبيرة التي تشعر بها أثناء اقتناءك للكتاب الورقي وتصفحك له..

اقتنيت مؤخرًا كتاب “صنايعية مصر” -للمبدع عمر طاهر- وكذا كتاب “100 شخصية صنعت تاريخ مصر” اشترك في كتابته 4 شباب..

كتابين واجبين الاقتناء على كل قارئ يريد الاطلاع على الوجه الحقيقي لرواد الثقافة المصرية في العصر الحديث وهو الدور الذي حريًا أن يكون ضمن مناهج المدراس، فأمة لا تدري شيئًا عن ماضيها لن تستطيع أن تنشئ حاضرها أو تنمي مستقبلها بل ستبقى متقهقرة تستمتع بموقعها خلف مصنع الكراسي!!

أما عما أريده من العامل بعد بلوغي الثلاثين فأعتقد أنه ليس بالمطلب الكبير أو العسير لأن كل ما أريده هو المزيد من الوقت حتى أستطيع قراءة أكبر كم من الكتب التي أحبها بمختلف تصنيفاتها دون أن يسألني أحد لماذا تقرأ أو يضيق عليّ آخر ويخبرني بألا أٌقرأ شيئًا لا يحبه، فالقراءة ليست بحاجة إلى وصاية والكاتب ذو الموهبة هو الذي يعوضنا بقلمه وخياله عن أوقاتنا العسيرة التي نقضيها مع الواقع في واقع يضن علينا بتحقيق أحلامنا وأصبح يستكثر علينا مجرد الحلم في حد ذاته!!

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى