مقالات

أحمد الفران يكتب: “السير وليام ويلكوكس”.. مهندس سدود مصر المثير للجدل

في مطلع عام ١٨٩٣ دعى البريطاني -المثير للجدل- “وليام ويلكوكس” في خطابه الشهير بنادي الأزبكية إلى نشر اللغة العامية والتأليف بها، وقد عنون خطبته بطرح غاية في الخطورة هو: “لماذا تنعدم قوة الاختراع عند المصريين..!” وفسر غياب قدرة المصريين المعاصرين على الاختراع والابتكار بأنهم يفكرون ويتحدثون بلغة ويكتبون بلغة مختلفة تمامًا، قاصدًا بذلك التباين بين العامية والفصحى.

ودعا ويلكوكس في أكثر من مناسبة المصريين للكتابة باللغة العامية المصرية ونشر دعوته في مجلة الأزهار التي قام بتأسيسها سنة 1893، وأثارت تلك المقالات جدلاً كبيرًا بين المثقفين المصريين في ذلك الوقت ولازال يشار لتلك المقالات حتى الآن عند الحديث عن العلاقة بين اللغة العربية العامية والفصحى.

حاول ويلكوكس التأكيد بشتى الطرق على وجهة نظره بل والترويج لها وتجلى ذلك بقيامه بترجمة الإنجيل وإحدى مسرحيات ويليام شكسبير إلى اللغة العامية المصرية.

لم يكن ويلكوكس معروفًا بين المصريين آنذاك سوى أنه يعمل مهندسًا وصل إلى القاهرة إبان نجاح الحملة الاستعمارية البريطانية التي انتهت باحتلال مصر سنة ١٨٨٢ بعد هزيمة الثورة العٌرابية في معركة التل الكبير ودخول الجيش البريطاني إلى قلب القاهرة.
واجهت دعوته رد فعل قوي داخل الأوساط الثقافية المصرية، وصفت بأنها أحد أساليب المستعمر البريطاني في القضاء على الهوية واللغة المصرية، وقاوم أغلب المثقفين المصريين في ذلك الوقت أفكار ويلكوكس واستمروا في إرسال مقالاتهم لمجلة الأزهار مكتوبة باللغة العربية الفصحى مما اضطر ويلكوكس لإغلاقها في أكتوبر 1893. ورغم أن عبد الله النديم كان من الوطنيين المصريين الذين يكتبون مقالاتهم باللغة العامية، فقد هاجم ويلكوكس هجومًا شديدًا. وقد يكون السبب الحقيقي لرفض الطبقة المثقفة المصرية لاقتراحات ويلكوكس كونه بريطاني الجنسية وكانت مصر في ذلك الوقت تحت الاحتلال البريطاني، وبالتالي اعتبر المثقفين أن رفضهم لأفكاره جزء من مقاومة الاستعمار.

بل وصل الأمر إلى اتهام ويلكوكس الذي قضى معظم حياته في إنشاء مشروعات الري العملاقة والهندسة المعمارية بأنه أهم رجال التبشير بالحملة البريطانية على مصر، وقد دأب على إثارة الجدل الواسع في الأوساط الثقافية المصرية منذ قدومه إلى مصر.

أثار ويلكوكس الجدل حتى في كتاباته التي امتدت إلى خارج تخصصه في مجال هندسة الري والعمارة بكتابه الشهير “من جنات عدن إلى عبور نهر الأردن” والذي يزعم فيه أن جنة عدن المذكورة في الكتب المقدسة موجودة في جنوب العراق، حيث يلتقي نهرا دجلة والفرات، ويحكي فيه عن أبحاثه وتجاربه حول اللعنات التوراتية التي أصابت المصريين لكي يطلقوا سراح اليهود.

فمن هو هذا الجدلي؟
وُلد وليام ويلكوكس بالهند، كان واحدًا من أربعة أبناء ذكور لمهندس ري بريطاني يعمل في أعمال الري على نهر الگانج في الهند. تلقى تعليمه الأولي بالبنغال، وأتم حياته العلمية بدراسة الهندسة في روركي بالهند ثم تخرج من كلية توماسون للهندسة المدنية بروركي سنة 1872، وما لبث أن بدأت حياته العملية بالانضمام إلى إدارة الخدمات العامة الهندية سنة 1872.

الاتجاه نحو الشرق
إبان الغزو البريطاني واحتلال مصر، وصل ويلكوكس إلى مصر سنة 1883 حيث التحق بإدارة الخدمات العامة المصرية، وفي 1896 استكمل دراسات إنشاء سد أسوان بعد أن أصبح مدير عام الخزانات، وطـُلِب منه إيجاد طريقة لتخزين مياه النيل لتسمح بزراعة محصول إضافي من القطن، فاقترح في البداية أن يتم تخزين المياه بوادي الريان عن طريق تحويل جزء من مياه الفيضان السنوي إليه، ومن ثم يعاد إدخالها إلى مجرى النهر في موسم التحاريق.

وصل ويلكوكس إلى حتمية البدء في إنشاء سد لتخزين مياه الفيضان، فقام بتصميم سد أسوان ليسمح للمياه المحملة بالطمي في الأسابيع الأولى من الفيضان السنوي من المرور عبره، وحجز فقط المياه الصافية التي تأتي لاحقًا في موسم الفيضان. وقد أشرف على إنشائه من 1898 حتى اكتماله في 1902.

مهندس قناطر أسيوط
كما صمم سد آخر على النيل غاية في الدقة والإتقان، هو قناطر أسيوط، وأشرف على البدء في إنشائه سنة ١٩٠٢، تلك القناطر التي صممت خصيصًا لتحويل مياه النهر إلى المياه المنخفضة في أكبر قناة للري في مصر وهي “ترعة الإبراهيمية” وتعد من أهم قناطر النيل وبها ما يزيد عن ١١١ عينًا لمرور المياه عرض كل عين منها خمسة أمتار.

شارع ويلكوكس بالزمالك؟
تولى ويلكوكس رئاسة شركة خدمات مياه القاهرة ورئاسة الشركة الإنجليزية المصرية لمخصصات الأراضي والتي كان لها دور أساسي في تخطيط وتعمير حي الزمالك في أوائل القرن العشرين، لذا تقرر تسمية أحد شوارع ذلك الحي الأجمل بالقاهرة على اسمه، والذي تحول فيما بعد ليحمل اسم عميد الأدب العربي طه حسين.

دُعي ويلكوكس إلى زيارة جنوب أفريقيا، وبنهاية حرب البوير الثانية طُلب منه الإشراف على مشروعات الري في مستعمرة ترانسڤال ونهر الأورانج. ليقوم بتنفيذ بعض خططه المعمارية، ولذلك فقد أُنعمت عليه الحكومة البريطانية بلقب فارس KCMG.

ثم تولى فيما بعد إدارة الري بالحكومة العثمانية في المشرق العثماني. وقد رسم أول خرائط دقيقة لمنطقة الشرق الأوسط، التي سهلت كثيرًا مهمة قوة التجريدة البريطانية في الحرب العالمية الأولى.

وفي 1911 اقترح جلب الماء إلى منطقة كلديا في جنوب بلاد الرافدين. وأنشأ قناطر الهندية على نهر الفرات بالقرب من بابل القديمة، فتمكنت بغداد من ري حوالي 3,500,000 فدان. كما عمل في مشاريع الري برومانيا قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، ومرة أخرى في 1928 في البنغال.

ويلكوكس يواجه السجن!
لم يتوقف ويلكوكس على إثارة الجدل في الترويج للغة العامية المصرية، ففي يناير 1921 حوكم أمام المحكمة القنصلية العليا المختصة بمحاكمة الأجانب بمصر بتهمة التحريض والقذف العلني الجنائي، بناء على تصريحات أدلى بها تفند مصداقية بيانات النيل المتعلقة بالري التي ينشرها المهندس البريطاني مردوك مكدونالد مستشار وزارة الأشغال العامة المصرية، رأت المحكمة أنه مذنب في 11 مارس، وفي 16 أبريل حُكم عليه بالسجن عام واحد فقط لحسن سلوكه.

 

إسهاماته العلمية
حقق إنتاج علمي غزير، وتجلى ذلك في كتابة تقرير حول ري الحياض والحماية من الفيضان في مصر، وكتاب الري المصري، وكتاب سد خزان النيل في أسوان وما دونه، وكتاب خزان أسوان وبحيرة قارون، وكتاب من جنات عدن إلى عبور نهر الأردن، وكتاب بلاد الرافدين: الماضي والحاضر والمستقبل، وكتاب استرجاع أعمال الري القديمة على نهر دجلة وإعادة خلق كلديا وكتب مذاكرته تحت اسم “ستون سنة في الشرق” ونُشرت بعد وفاته في 1935.

الموت في القاهرة
وافته المنية بالمستشفى الأنجلو الأمريكي بحي الزمالك بالقاهرة، ودفن في مقابر المحاربين البريطانيين بالقاهرة وكتب على قبره باللغة الإنجيلزية “السير وليام ويلكوكس.. مصمم سد أسوان.. انتقل إلى حياة أكثر زخمًا.. 28 يوليو 1932 في عامه الثمانين”.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى