مقالات

منتصر أمين يكتب: الآن انقطع حبل الوريد

منتصر أمين

“لم أجد ما أقوله عن الراحل المبدع/ محمد زهران أفضل من قراءتي المتواضعة لروايته البديعة “حبل الوريد”.. رحمه الله كان مبدعًا طيبًا متواضعًا، محبًا للحياة..”

“حبل الوريد”هذا العنوان الصادم اللافت للانتباه هو ما دفعني لإقتناء هذا العمل، بدايةً وجدت العنوان مميزًا وجاذبًا، إقترن في ذهني بنص قرآني يتحدث عن حبل الوريد كما ورد في سورة ق: “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد”.. لكن مع التوغل في النص الروائي المتميز وجدت أن المغزى من الاسم يختلف اختلافًا كليًا..

أنهيت هذا العمل الروائي الساحر في جلسة واحدة، لم أقو على مفارقته طوال اليوم لجمال السرد وروعة الحوار سواء بين شخوص الرواية أو المنولوج الداخلي بين البطل وذاته.. قدرة الكاتب المتفردة على الاستحواذ على عقلك وامتلاك كيانك بالكامل هي السمة اللافتة في هذا العمل، حتى بت أشعر بكل الألم الذي عاناه بطل الرواية وهو للمصادفة الغريبة اسمه “محمد زهران”!!..

ربما كان اسم بطل الرواية هو ما دفعني للاعتقاد في أول الأمر أنها سيرة ذاتية للكاتب، لكن مع مرور الوقت أيقنت أنها نقل لتجربة حياتية مليئة بالتناقضات (حزن وبهجة، يأس وأمل، إيمان وتجديف) مر بها الكاتب،وتركت أثرًا شديدًا في نفسه فلم يجد أفضل من هذا الشكل الأدبي لتخليد ذكراها ونقلها للقارئ.. وأظنه نجح في ذلك بجدارة..

لن أتحدث عن اللغة المستخدمة وبلاغتها أو عن فنيات السرد فاسم الكاتب الكبير غني عن التعريف، وقلمه المبدع المتفرد خير متحدثٌ عنه.. فقط (حتى لا أفوت الفرصة على من يرغب في الاستمتاع بها) سأكتفي ببيان مغزى الرواية وتوضيح عمق دلالاتها ثم أعرض مقتطفات موجزة منها تبين عذوبة اللغة وجمال التشبيهات..

الرواية تدور حول الرجل الخمسيني “محمد زهران” الذي يحتفل بميلاده الخمسين، نكتشف بعدها أنه مريض بمتلازمة بهجت منذ أن كان (ابن تمنتاشر) كما ورد في الرواية.. ومرض بهجت هو مرض نادر لمن لا يعرف (كنت أنا أحدهم بالطبع)، شكل من أشكال التهاب الأوعية الدموية التي تؤثر على الجهاز الهضمي، الرئوي، العضلي والعصبي، تظهر تلك الإلتهابات في معظم الأحيان مع تقرّح الغشاء المخاطي ومشاكل بصرية، يمكن أن يسبّب هذا المرض الوفاة من جرّاء تمزّق الأوعية الدموية ومضاعفات عصبية حادّة..
الرواية تؤسس بنيانها على جدلية الحياة والموت.. فالولد (بطل الرواية) ابن تمنتاشر يخبره الطبيب بخطورة مرضه وأنه سوف يموت لا محالة، إلا أنه يقاوم ذلك الموت الذي يصر على كسر إرادته من خلال الكثير من الإخفاقات والأزمات الصحية القوية.. حتى ينجح في ذلك ببلوغه سن الخمسين فيوصل لنا رسالة قوية مفادها أن الحياة إرادة..

يستخدم الأستاذ المبدع “محمد زهران”طريقة (الفلاش باك) في سرد الأحداث وهي ليست طريقة يسيرة في الأصل على من يمتلك ملكة الكتابة والإبداع، إلا أنه استطاع استخدامها بقدرة فائقة وسهولة بالغة لنقل القارئ ما بين الأحداث والأزمنة المختلفة..

الرواية تناقش الكثير من القضايا الجدلية الشائكة مثل التمييز الطائفي، الجنس والمرأة، بل يصل بطلها في بعض الأحيان إلى حد التجديف!!.. وعلى الرغم من صغر حجمها النسبي (150 صفحة) إلا أنها مليئة بالشخوص والأحداث..

مواقف كثيرة تركت في نفسي أثرًا بالغًا لم يفارقني حتى الآن، ولعل ذلك ما دفعني لكتابة هذا المقال علني أتخلص من سيطرة العمل على عقلي..

ختامًا.. أبدع الأديب/ محمد زهران وأجاد في الكثير من المواقف، منها على سبيل المثال لا الحصر: موقف المستشفى ورؤية البطل لوالده في الحلم، موقف خوف البطل من الموت، إحساس البطل بأن ما يحياه هو مجرد سنوات إضافية لشخص آخر أو كما قال “عمر صناعي”..

# مقاطع تركت أثرًا لا يُمحى في نفسي:

“تأخذني النشوة ويأخذني التقمص فأراني إلهًا، يعيد نفخ الحياة في هذه الأزمنة الميتة، تتابع الصور المتلاحقة أمام عيني، كأنني أشاهد فيلمًا لشابلن.. أشعر بالمغصة التي تسبق الكتابة، أجري متعجلاً إلى اللاب، ما أن أبدأ الضرب على لوحة المفاتيح حتى تخبو المغصة سريعًا.. لا أجد بداخلي الرغبة لإعادة الخلق على الأوراق.. أطوي الصفحات وأستسلم لرقدتي على السرير”..

“ينتابنى يقين أنني سأموت ليلا أثناء نومي، وأختنق ويضيق صدري عندما أراني ممددًا على السرير، وتحاول زينب إيقاظي فلا أستيقظ، أتخيل فزعها، وأضع سيناريوهات لكيفية تصرفها في هذه الحالة، يااه أتمنى أن أحضر هذا المشهد، تنتابني الغصة عندما أتذكر أنه سيأتي يوم لا أصحو فيه ثانيةً، ولا أتناول الإفطار والعصير وبعدهما القهوة”..

” عدت للحياة ساعة تمنحني عمرًا صناعيًا مدته أسبوع، عقد مؤقت يجدد أسبوعيًا لمواصلة الحياة”..

“عارف يعنى إيه إحساس إنك ضيف على الدنيا ومش من أهلها، بتحس بالامتنان لأقل شيء تديهولك، شربة المية، اللقمة، لعبة الجنس، بتحس إنك بتاخد حق شخص غيرك”..

“كل هذا ينتهي فجأة، أتذكر محاورات سقراط لتلاميذه ونقاشهم عن الروح بعد فناء الجسد، والكلمة الدالة التي تم فيها تشبيه الروح والجسد بشمعة، فيجب ألا نتساءل بعد فناء الشمعة: أين ذهب الضوء الذي يمثل الروح؟ إنه بكل بساطة تلاشى في الفراغ الكوني.. لِمَّ هذه الحياة إذًا طالما نهايتها التلاشي، حتى لو هناك روح ستبقى”..

“الغرفة بياضها شديد النصوع، رائحة الديتول تحاصرك من كل الاتجاهات، الجدران الأربعة تغادر أماكنها، تحكم السيطرة حول جسدي، الجدران تنقلب تابوتًا يتهاوى بسرعة البرق مخترقًا طبقات الأرض إلى الأعماق السحيقة، أراني ممدًا بجوار أبي، لحظة خاطفة تلاشى كل ما حولي، ظلام دامس، أتسمع أنفاس أبي الراقد إلى جواري”..

“انكمش الجسد في السرير، وكأنه جسد طفل في السابعة، الانكماشة تأخذ الوضع الجنيني، جزء الوجه الذي يظهر من أسفل البطانية لا يمكن أن أقول عليه وجهًا شاحبًا، بل وجهًا رأيت فيه الموت، تشعر وكأنه قطعة لحم خرجت منها الروح، قطعة متيبسة من عظم عليه طبقة جلدية لونها أبيض مشرب بأول درجات الرمادية، صوت أنين مكتوم يخرج من الوجه الذي انمحت منه جميع التعبيرات، كومة الجلد والعظم مستسلمة لرقدة الجاذبية الأرضية”..

” يعزينا أحيانًا أنه ستكون لدينا فرصة أخرى نخلد فيها ونعوض ما فاتنا، فكرة فرعونية جهنمية لا أثق فيها، فما أشعر به هو أن كل ما نملكه هو هذه الحياة البائسة، تجربة عبثية مريرة”..

“ماذا سيفعل الإله بكل هذه الأكوام من الأرواح التي ستتناثر حول قدميه منذ بدء الخليقة وحتى يوم القيامة؟ خدم؟ يكفيه هؤلاء الملائكة الرجال مفتولو العضلات المحيطون بعرشه في انتظار إشارة منه لتحقيق أي طلب يريد”..

” غريب أمر هذا الإنسان المتكيف مع كل ما يمر به الواجد للرب دائمًا مبررات لكل أفعاله اللامنطقية”..

#وداعًا_أستاذنا_الكبير
#محمد_زهران
#منتصر_أمين

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى