التخطي إلى شريط الأدوات
إبداعرواية

تحت الطبع..فصل من رواية «كائنات وديان التيه»

بقلم: زكريا عبد الجواد

 

في ذلك الصباح، كانت النسائم الندية تداعب الوجوه، وترسل تحياتها لنا، بينما كنا نستعد للدخول في طريق غامض، بدت فيه الأشجار عفيّة، لكنها ساكنة تماماً، واختفت الفراشات فجأة، كأنها لم تتعرف بعد على تلك الأزهار التي كانت تنتشر على حواف الجبال، وبينما كان يتوزع فوق الأرض بشرُ لهم عيون مرتابة، خلت السماء هي الأخرى من أسراب الطيور. فلم يكن هناك ما يمرق فوق رؤوسنا، ولا ما يطلق طنينه، حتى الهواء الذي دائما ما يهب دون أن يتمكن أحدٌ من منعه، اختفى هو الآخر، في ذلك الصباح الغامض.

ومع ان المسافة التي قطعتها السيارة، بعد أن عبرت بوابة الممر. لم تزد عن نصف الكيلو متر، إلا أنها لم تكن تمثل شيئاً يذكر، من مساحة تلك المنطقة التي قرر الجحيم أن يحط رحاله فيها، وأن يرسل فكه المرعب جرعات سخية من الحمم، على رؤوس الذين ألقت بهم حظوظ عاثرة، للعيش في رحابها.

 لم أكن من قاطني تلك البقعة، ولا كنت أرغب، غير أني في النهاية أصبحت واحدًا من الذين انغرست أقدامهم في أوحالها، وباءت جميع محاولاتهم للنهوض من عثراتها بالفشل.

وقتها، لم أكن أتصور أن تؤول الأمور إلى تلك الدرجة، حتى عندما رأيت نصال السيوف النارية تشق الصمت، وتكتسي ساحة السماء بعدها بدوائر، يتداخل فيها البرتقالي الصارخ بالأحمر المتوهج.

لم يمض وقت على خفوت قرقعات ذلك الزئير، حتى افترشت السجادة العالية غلالات قاتمة، مهدت الطريق عند استدارتها، لضجيج مدو أحدثته انفجارات متتابعة، سرعان ما راحت تتكاثف وتدور، لتفرض في النهاية، سيطرتها التامة على السقف السماوي،ولم تمض دقائق على حدوث ذلك، حتى رأينا الزرقة تتبدل، وتتحول الألوان الشفيفة إلى حلقات من رماد داكن، اختطف أبصارنا، وأقحم الرعب في أرواحنا، فارتبكنا.

كنا انطلقنا من وسط المدينة، في بدايات صباح ذلك اليوم، قاصدين منطقة القبائل، وبعد أقل من نصف ساعة، اجتازت خلالها السيارة بنا فتحة قوس البوابة الحجري، كانت ثلاث فوهات، تخفي خلفها عيوناً، لها نظرات متحفزة، قد وجهت نحونا.

 رجال على رؤوسهم عمائم كبيرة، تغطيها شيلان فضفاضة ذات خضرة باهتة، تنسدل أطرافها عريضة، لتدور فوق أكتافهم، ثم تهبط على القمصان الواسعة، التي تغطي بدورها سراويل رحراحة من الوسط، وبالغة الضيق عند الكاحلين. ارتكز كل واحد منهم على ركبته، فاختلط أمام عيني مشهد اللحى المصبوغة بلون الحناء، مع لفافات العمائم التي بدت لي أكبر من حجم الرؤوس، وحدقاتالعيون حين راحت تطلق شررًا نحونا.

كنا نساويهم في العدد، لكن أقدامنا لم تكن تدب في ثقل على الأرض مثلهم، عندما رأى السائق أنهم اتخذوا وضع الاستعداد لإطلاق الموت، رفع يديه عن المقود، وضغط على الكوابح بقوة، فاهتزت السيارة بعنف، ثم توقفت.

 وجه الكلام لي وهو ينظر إلى الأمام: مستر حسّان، هناك مشكلة سوف تحدث.

 قال ذلك، ثم مد يده، وفتح باب سيارته وأسرع بالخروج، دون أن يرد على التساؤل الذي رحت أكرره: عن أي مشكلة تتحدث؟

  تبادلت مع فيصل نظرة خافتة، لم أكن أدرك ما يدور من حولي، ولم يكن أمامي غيره، لأطلب منه تفسيرًا، بعد أن بات السائق خارج السيارة، ربما كانت لديهما يفيد في التعامل مع بشر كهؤلاء، لم يسبق لي المرور في هذه المنطقة، بينما يعيش هو منذ عدة أشهر وسط من يشبهون سكانها. حين كنت أنظر تجاهه ليفسر ما يحدث، بدا لي أنه أكثر ارتباكاً مني، هز رأسه إلى جهة اليسار، نفس الجهة التي غادر منها السائق ووقف إلى جانب سيارته، لم أفهم ما يجري، ولم يتح لي الوقت فرصة لمعرفة السبب، لأن فيصل خرج بعدها هو الآخر.

 ما عاد أمامي بعد أن وجدت نفسي وحيدًا في الداخل، ورأيت فوهة إحدى البنادق تصوّب نحوي، غير أن أمد يدي، أفتح الباب وأخرج، أفعل مثل ما فعل السائق وفيصل، رفعت ساعديّ إلى الأعلى، وعقدّت كفيّ عند مؤخرة رأسي، أعلنت بذلك، عن استسلامي التام، مثلما أعلنا.

   في تلك اللحظة شعرت أن قدميّ باتتا خفيفتين، على الرغم من أني كنت أقف على الأرض، ثمة شعور راح يترسخ عندي، يؤكد أن أي هبة هواء عابرة، ستكون كفيلة برفعي إلى الأعلى والتلاعب بالجسد، تمنيت أن يحدث ذلك، لم يكن هناك أي أمل، على الأقل في شهر نوفمبر الذي جئت فيه إلى هذا المكان، بعد مرور شهر واحد، على بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف، في أراضي بلاد الأفغان المجاورة، الوقت يحتاج إلى شهر آخر كي يصبح المكان مستعداً لموسم شتاء، يحل في العادة مع نهاية العام، عندها ستكون المنطقة قد جهزت نفسها لاستقبال رياح تهب ولا تتوقف، إلا إذا تمخضت السحب، وألقت بما ظلت تكتنزه داخل عباءتها، فوق الساحة الشاسعة.

فقط، كنت أسمع أصوات دويّ هائل، رعد وبرق يدحرج الأرض من تحتي، ويدفع قبعات الجبال المخروطية، التي تنتصب أمام عيني إلى بدء رقصتها التي يدور رأسي معها، تتراءى فجأة أمامي في ذلك المشهد، صورة ريهام، وهي تركض في شقاوتها العذبة، على كورنيش الإسكندرية.

 أطالع وجوه أصحاب العمائم الثلاث، لا أرى ردة فعل علىالملامح،كأن صهيل جهنم الذي يرُجُّ أركان المنطقة، لا يلفت انتباههم. أحدّق فيهم، لا أرى في مواجهتنا غير عيون متحفزة، ظلت تصب شراراتها علينا، وقت أن راح هؤلاء يحيطون بنا، ويضيّقون الخناق، كنت أشعر بتلك النظرات، وهي تنغرز في مسام جلدي، بينما كانت أصابعهم على بعد ثوان من لحظة إطلاق الموت.

خفتت أصوات الانفجارات، فتنفست الصعداء، لكنها عادت مجدداً بعد أقل من خمس دقائق، كأنها تعمدت افساح المجال للرجال الذين هبطوا على رؤوسنا، ومع ان الدويّ ظل يتردد، منذ أن اجتازت السيارة قوس المعبر الحجري، فإن حراس البوابة الذين رأيتهم يتناثرون في تلك البقعة، وهم يرتدون القمصان السوداء الطويلة، بينما كانت قبعاتهم تميل فوق رؤوسهم إلى جهة اليمين، كانوا وقتها غارقين في عالم آخر، يتابعون البائعين الذين يزدحم المكان بهم، والمشترين الذين يلتقطون بضائع رخيصة من مهربين، قدموا بها مع قوافل البعير، وكانت البضائع ملفوفة ببراعة حول الأسنام.

عالم لايتوقف عن بث ضجيجه، لا تنقطع فيه أصوات البيع والشراء، الكل مشغول بمبادلات التجارة وتقاضي العمولات، عن الانصات لضجيج القنابل، ومتابعة مروق الطائرات، كان حرس البوابة في لحظة اجتيازنا لها، يتبادلون الأحاديث مع رجال تدور حول رؤوسهم عمائم مكتنزة، ولهم سحن متشابهة، تبدو وجوههم للوهلة الأولى، وكأنها مغطاة بجليد، من نفس النوع الذي تغطي قبعاته البيضاء، رؤوس تلك الجبال التي انغرست قاعدتها هي الأخرى، في بطن المنطقة.

ظل السؤال يدور في رأسي، وأنا أرى ملامحهم وجهامة جبالهم، كيف السبيل إلى النجاة من هذا المأزق؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضاءة:
زكريا عبد الجواد.. روائي وإعلامي مصري، عمل في مجلة (العربي) الكويتية من عام 1991 حتى عام 2008.ثم تولى إدارة التحرير لعدد من الصحف اليومية في الكويت. حصل على جائزة الصحافة العربية عام 2002 صدرت له: • رواية “خيار الصفر”، 2006 – الدار العربية للعلوم – بيروت.• رواية “قبعة الوطن”، 2008 – – الدار العربية للعلوم – بيروت.• رواية “الجحيم يصحو مبكرا”، 2011 – دار الدوسري للنشر – المنامة• رواية “الاحتياطي”، 2013 – دار الياسمين – القاهرة • رواية “الاحتياطي”،2015  – الهيئة المصرية العامة للكتاب – مكتبة الأسرة – مصر• رواية “شغف خافت” .2015  – دار الراية للنشر – مصر• “ما لا تشتهي السفن” (شعر)،  1984 – دار كاظمة – الكويت• “الركض فوق بساط البلور” (كتاب رحلات)، 2013 – دار مدارك – الامارات.

 

الوسوم
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق