مقالات

إيناس التركي تكتب: وزارة السعادة القصوى

بقلم: إيناس التركي

الكاتبة
إيناس التركي

«كيف تروي حكاية مشظاة؟ بأن تصير، رويدا رويدا، كل الأشخاص. لا، بل بأن تصير، رويدا رويدا، كل شيء».

بهذه الكلمات التي خطتها بطلة من بطلات رواية «وزارة السعادة القصوى» للهندية «أرونداتي روي» في سطور قصيدة لها داخل الرواية، يمكن للقاريء أن يجد ملخصا للفلسفة التي تقوم عليها الرواية المرشحة للقائمة الطويلة للبوكر هذا العام.

الرواية هي الثانية لروي، والتي فازت روايتها الأولى «إله الأشياء الصغيرة» بالبوكر في عام 1997.

ما بين الروايتين عشرين عاما، انشغلت خلالها روي الكاتبة والناشطة السياسية الهندية بالعديد من القضايا المتعلقة بالسياسة والحريات والعدالة الإجتماعية حيث قامت بكتابة العديد من المقالات وكتبت السيناريو أيضا، إلا أنها لم تستأنف تجربتها الروائية رغم فوز روايتها الأولى بجائزة البوكر حتى صدرت روايتها الثانية هذا العام وترشحت للقائمة الطويلة للبوكر هي الأخرى.
تتابع الرواية خطين لحكايتين منفصلتين قبل أن تجتمع الخيوط لاحقا في حكاية واحدة. الخط الأول للرواية يدور حول شخصية أَنجُم التي ولدت لأبوين مسلمين ولديها أعضاء ذكورة وأعضاء أنوثة في ذات الوقت. أطلق عليها أبويها اسم أفتاب وقاما بتنشئتها بصفتها ذكر، حتى قامت لاحقا عن طريق الجراحات التصحيحية والهرمونات بالتحول لأنثى وتغيير اسمها.

يمثل جسد أفتاب/أنجُم تجسيدا لفلسفة الرواية في الجمع بين التناقضات والتوحد بين كل شيء وكل شخص. تقول أنجم عن نفسها “أنا “محفل”، أنا تجمع. لكل أحد ولا أحد، لكل شيء ولا شيء. هل هناك أحد آخر تود أن تقوم بدعوته؟ الكل مدعو”.

كانت أنجم قد تركت أسرتها وانتقلت للإقامة في بيت تقطنه مجموعة ممن هم مثلها واللاتي نبذهن المجتمع، واللاتي كان يطلق عليهن لقب “هجرة”. كانت قاطنات البيت تعتقدن أنهن يسكن في مكان خارج حدود الدنيا التي يقطنها باقي البشر الطبيعيين خارج البيت. قالت إحداهن لأنجُم أن باقي الناس في الدنيا الواقعة خارج حدود بيتهن ذاك يشعرون بالتعاسة بسبب ارتفاع الأسعار ومصاريف مدارس الأطفال وضرب الأزواج لزوجاتهم، خيانة الزوجات والصدامات بين الهندوس والمسلمين والحرب الدائرة بين الهند وباكستان، كلها عوامل خارجية تهدأ وتستقر بمرور الزمن. أما بالنسبة لقاطنات ذلك البيت، فإن “الشغب داخلنا نحن. الحرب داخلنا نحن. الحرب بين باكستان والهند داخلنا نحن. ولن تهدأ أبدا. لا يمكنها أن تفعل”. بقدر ما يمثل الجسد الذي يجمع النقيضين التوحد بين الأضداد، فهو في ذات الوقت يعاني من تناقضات وصراعات المجتمع الذي نشأ منه.

ما تحاول روي تصويره في الرواية هو مدى امكانية العيش خارج حدود ذلك الصراع الذي تفرضه اللغة والمسميات التي تطلقها على كل شيء لتحديده. عندما اكتشفت أم أفتاب/ أنجُم ازدواجية جنس وليدها الجديد شعرت بالرعب، حيث أن اللغة الأردية تحدد جنسا لكل شيء سواء مذكر أم مؤنث، وتسائلت عن مدى امكانية نجاح العيش خارج تلك الدائرة التي تحصرها اللغة. يتكرر السؤال حول مدى امكانية التعايش بين المتناقضات والجمع بين الأضداد خارج الدائرة الضيقة المتعارف عليها، خاصة فيما يتعلق بالصراع بين الهندوس والمسلمين، والصراع الكشميري الذي تصوره الرواية.كانت أنجُم قد نجت من أحداث شغب قام خلالها الهندوس بمهاجمة المسلمين وقتل العديد منهم، وعلى إثر ذلك دعتها الصدمة لمغادرة البيت الذي تسكنه برفقة زميلاتها من “الهجرة” والانعزال وحدها للعيش وسط مقبرة مهجورة للمسلمين. إلا أن انعزالها لم يدم طويلا، فمع الوقت أخذت الدائرة تتسع لتشمل جماعة متنافرة من الشخصيات الغريبة مثل الإمام الضرير الذي صادقها والفتى الهندوسي القادم من طائفة دنيا والذي قامت الطائفة الأعلى بقتل أسرته مما دعاه لتلقيب نفسه بإسم “صدام حسين”، اعجابا بما رأى انه شجاعة من الديكتاتور الراحل في مواجهة جلاديه في فيديو اعدامه الذي يحتفظ به على هاتفه الجوال.

توسعت أنجُم في بناء الغرف في سكنها الجديد وقامت بتأجير الغرف للعديد من الشخصيات المنبوذة والمهمشة والتي لا تجد لنفسها مكانا آخر. أسسوا أسرة كبيرة سويا وتشاركوا في الزراعة وتربية طفلة مجهولة النسب قاموا بتبنيها، بالإضافة لتقديم خدمات الدفن لأولئك الذين لم يجدوا لنفسهم مكان يتقبلهم في الحياة ولا بعد الموت. أطلقت أنجُم على سكنها الجديد اسم “جنات” حيث يتعايش الجميع من كافة الفئات والأطياف، وحيث تنعدم الفواصل، حتى الخط الفاصل بين الأحياء والأموات، ففي كل غرفة شاهد قبر بالإضافة لفراش.

الخط الثاني للحكاية الذي تتابعه الرواية يدور حول شخصية “تيلو”، والرجال الثلاثة الذين وقعوا في حبها والعلاقات المتشابكة بينهم، حيث نجد الجميع شركاء في مسرحية جامعية لم تكتمل ولم تعرض نظرا للظروف السياسية المعقدة آنذاك، إلا أن علاقتهم تستمر عبر السنوات. كانت تيلو تدرس الهندسة وقد ارتبطت بزميلها موسى في علاقة مبهمة غير محددة بالنسبة للآخرين، بينما ظل كلا من ناجا (الصحفي الذي تغيرت مواقفه السياسية مع الزمن فانتقل من صفوف المعارضة للتعاون مع الأمن، مع احتفاظه بواجهة من المعارضة أمام العامة) وبيبلاب داسجوبتا (نائب مدير الأمن في سريناجار بكشمير) يحبانها عن بعد. ويبدو للقاريء أن شخصية تيلو المتمردة قد تم استيحائها من شخصية روي ذاتها التي تعد من مناصري الحركة الانفصالية الكشميرية.

في الرواية نجد تيلو وقد صارت منغمسة في الأحداث في كشمير من خلال علاقتها القديمة التي تجددت مع موسى الذي انضم لصفوف المتمردين بعد أن فقد زوجته وابنته برصاص الجنود الهنود. تشغل الأحداث في كشمير حيزا كبيرا من هذا القسم في الرواية حيث تصور روي الفظائع التي ترتكبها القوات الهندية في كشمير، إلا أنها تظهر أيضا ما يرتكبه المتمردون والمنضمون لصفوف المقاومة.

تصور الرواية الحركات الجهادية المختلفة ما بين درجة تشددها من الأقل فالأكثر تشددا والصراعات بين الطوائف والمذاهب المختلفة من سنة وشيعة وإخوان مسلمين. يقول بيبلاب نائب مدير الأمن “أنك لو قمت بوضع أربع كشميريين في غرفة واحدة وطلبت منهم أن يوضحوا بالتحديد ما الذي يقصدونه بكلمة الحرية، وما هي الحدود الأيديلوجية والجغرافية لها، فغالبا سينتهي بهم الأمر لذبح بعضهم بعضا”. وقد قام جميع الأشخاص من جميع أطراف الصراع باستغلال الوضع بأسوأ ما يكون، حتى صارت الحرب “حرب لا يمكن أبدا كسبها أو خسارتها، حرب بلا نهاية”. بالرغم من ذلك، لا يوجد تناسب بين ما يقترفه الفريقين من جرائم ويظهر بوضوح ادانة الموقف الهندي.

يجتمع كلا من خطي الحكاية عندما تنتقل تيلو للإقامة في غرفة من غرف “جنات” التي تستأجرها من أنجُم، إلا أن القاريء بالرغم من ذلك قد يشعر بأن ذلك الربط ليس مقنعا بدرجة كافية وأن الرواية مزدحمة بالشخوص والأحداث والوثائق والمذكرات بطريقة مثيرة للبلبلة. كما أن روي تلجأ لتبسيط شخوص روايتها بدرجة كبيرة حتى يمثل كل منهم قضية ما أو موقفا ما، بالإضافة لعرض الآراء والمواقف السياسية بأسلوب يجعل الرواية في بعض الأحيان أقرب منها لمقال مطول من مقالاتها السياسية. ونجد الرواية قد انتهت بخاتمة سعيدة تشارف حد السذاجة كي تؤكد روي على رؤيتها وفلسفتها التي تقدمها من خلال روايتها. وبالرغم من كل ذلك فلغة روي وأسلوبها يشفعان لها كثيرا.

في النهاية، نجد أن إهداء روي الذي خطته في أول الرواية يفصح عن الكثير من المعاني التي تقدمها بين الصفحات، فقد قامت بإهداء الرواية “لمن لا يجدون من يواسيهم”. تضع روي كل المهمشين والمنبوذين في مركز الرواية حيث يلعب النزاع الطائفي والعنف المتبادل دورا واضحا في تفاقم الأمور، إلا أن ما يساعد على التسامي فوق كل ذلك هو الغاء الحدود الفاصلة بين الأطراف المختلفة والتوحد بينهم بالتفاهم المتبادل والتقبل والحب، وذلك يقع على عاتق البسطاء من الناس، وهو ما تحققه أنجُم في “جنات” حيث السعادة القصوى المنشودة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى