التخطي إلى شريط الأدوات
إبداعروايةصدر حديثًامشاركات أدبية

رواية «نهاية الأيام»..الحلقة الـ «1»

بقلم: أكرم إمام

رواية «نهاية الأيام»

«الحلقة الأولى»

“العروس لا يجب أن تنتظر”

(1)

أكرم إمام

منذ اللحظة التي رأيت فيها وجهه؛ عرفت أن هذا الرجل سيكون زوجي. هي أشياء تعرفها بالحدس، بالأرواح، بالعالم الاخر.. لا يَهم.

كان بجلس مع أبي في الصالة، لم يستغرق الأمر أكثر من ساعة.. تم الاتفاق علي كل شيء. أمي وقفت مبهوتة وأنا أهز رأسي. قلت لها أنني موافقة.. نعم هكذا ببساطة.

ستة أشهر وكنت أقف في شقته كزوجة. مضوا هم بعد الكثير من الصخب، وأداء الواجب الحلقي. أقف الآن أمام المرآة. أحل أطنان من أعواد المعدن المُثبتّة لشعري في وضع مقلوب. جلست علي الفراش لا أفعل شيئا.

أين هو!.. عديم اللياقة من يترك عروسه في ليلة الزفاف لساعة في المرحاض. أهو خائف!.. ابتسمت. ثم زاد الامر عن حده، حين مرت ساعة. هذه ليست قلة ذوق إن أردت رأيي.. بل هذه سخافة.

جلست أمام التلفاز انتظر.. مررت على المبرد لأتفحص ما تركوه لنا فيها من عشاء للعرسان. أطنان أخرى من العلب والصواني. التقط قطعة لحم في فمي في نهم. وأعود للصالة لا ألوي علي شيء.

ساعتين.. لا زلت أسمع صوت الماء هناك. أطرق الباب؟ من سيتحدث الآن عن الذوق.. هذا الرجل قد جن حتما.

أضحك؛ أتخيله الآن يجلس على أرضية المرحاض تحت الماء.. يبكي كفتاة اختطفوها من بين أحضان أمها، وهى في شقة رجل غريب قالوا لها أنه زوجها. الآن أطرق الباب. لا يرد.. مات؟. عدت للضحك. وأعدت الطرق من جديد.

***

أين هو؟ لا أحد يعلم. أجلس في منتصف الصالة في الصباح، وبجانبي أمي تضرب على قدميها في غل!. ثم والده، يقف على باب الشقة؛ يصرخ في أشخاص يحادثهم على الهاتف، أقسم أن هذا الرجل قد شاب شعره عن ليلة أمس!.

أبي جلس بجانبي على الناحية الأخرى.. جلس ورفع حاجبيه بتحفز، وهو يراقب والد “عبد المنعم” الذي هو زوجي.. مؤقتا. أمه لم تأت.. هي امرأة نارية تُمشّي كلمتها في كل شيء يخص الكوكب. لم تشأ أن تظهر على المسرح في صبيحة الفضيحة بلا شك. ظننته بات عندها باكيًا تحت قدميها؛ طالبًا منها الغفران لأنه تركها لأجل امرأة.

عني أنا؟.. لا أعرف، فقط كنت اراقب الجميع. موجة ضحك هيستيري تتحرك في أحشائي، ناوية الانفجار في أي لحظة. وددت لو أضع قدما على قدم، وأشعل سيجارة وارتشف كأس خمر!. لم أذق أيًا منهما في حياتي. فقط اللحظة تتطلب هذا، لتكتمل حين أضرب ضحكة رقيعة، وأقذف المارة من الشرفة بـ”مشابك” الغسيل، وأهتف ملوحة بالتحية: “أنا من هرب زوجها ليلة الزفاف يا ولاد”.

عاد والد “عبد المنعم” ودخل الصالة. يقف الرجل زائغ النظرات. يخبرنا أن أحدا من أصدقائه لم يره منذ تركوه ليلة أمس.

ما تعرفه الآن هو أنه لم يتصل بأحد.. لم يره أحد.

نفسّت أحشائي عن جزء من قنبلة الضحك، عندما جلس والد زوجي تحت قدميّ. الرجل شاب وجن.. رأيت عيناه تهتزان في ولع، ويمسك يداي:

– أعيدي عليّ ما حدث.. لأجل الله.

نظرت للمروحة وهي تدور في السقف.. وأمي تندب:

– خرب الله بيوتكم.

لم ينظر إليها الرجل، هو يتوقع أشد وأنكى من هذا؛ إن لم يظهر ابنه حتى المساء. قلت له:

– كما أخبرتكم.. غاب في المرحاض لساعتين. في البداية ظننته يشرب سيجارة حشيش أعطاها له صديق. حتى تحول الأمر لشك في أنه يبكي هناك. أو يخشى الخروج.

هتف الرجل:

– يبكي؟!.. أحدث شيء!.

حاولت التشبث بالجدية رأفة به:

– على الاطلاق.

انفجرت أمي نادبة:

– لو كان حدث شيء.. لما هرب.

تنحنح أبي معاتبا أمي، وتحدث لأول مرة منذ أتى:

– هذه ليست أصول يا أم “فريدة”.

تبرمت هي بكلمة لما أسمعها، وأنا أكمل:

– ناديته.. لم يجب، أعدت الطرق على المرحاض. ما أقلقني أن صوت المياه كان يتدفق. خشيت أن يكون فقد وعيه، أو أن الغاز قد تسرب. شعرت بالخوف صراحة، دفعت الباب، والغريب أنه لم يكن مغلقا من الداخل.

تمسك الرجل بخيط:

– بالطبع.. ولمَ يغلق باب المرحاض وهو وحده في الشقة مع زوجته!.

لم أفهم.. أمي فهمت العبارة على ما يبدو، أصدرت صوتا بجانب فمها، تفعلها على الاغلب حين لا يعجبها شيء.

تنهدت وقلت له:

– بالطبع لم يكن بالداخل، أغلقت السخان الذي كاد أن ينفجر، والبخار يخنقني. خرجت مسرعة، باحثة عنه في الشقة كلها.. ولم يكن.

– ربما ذهب ليحضر العشاء ولم يشأ أن يزعجك.

صرخت امي:

– نحن نعرف الواجب يا أستاذ.. عشاء العرسان يكفي جيشًا، في المبرد.

ساد الصمت لدقيقة. وقف الرجل على قدميه التي “نمّلّت” على الاغلب. وأبي يشعل سيجارته الخامسة. ويقول:

– ما يحيرني يا “فريدة” أن “عبد المنعم” لم يدخل غرفته كما تقولي. وبدلة العرس كما تركها قبل أن يستحم. كيف خرج إذا.. لا أفهم.

نظرت لأبيه، وودت أن أقول: “أنتم عائلة مجنونة على ما يبدو، على الاغلب هو يجري عاريا الآن إلى مكان ما”. ابتلعت العبارة، ووالده يقول في لهفة:

– ألم يتصل بكِ؟.

– استغفر الله العظيم ياحاج.. لم يتصل. قلت ألف مرة لم يتصل. ما حدث أخبرتك إياه. حتى أتيت أنت وفتحت لك.

– لماذا أغلفتي الباب يا بنتي؟. ربما كان قد عاد ونسي مفاتيحه. طرق الباب ولم تسمعيه. فظن أنكِ نمت. فذهب إلى أقرب مقهى حتى الصباح.

قالها والتمعت عيناه.. التفسير يبدو منطقيا. ومريحا.

هززت رأسي:

– أنا لم أعد غلق الباب من الداخل أصلا.

لخمس ثوان توقف الزمن في الغرفة. توقف عقلي هنا. ينظرون هم لي بوجوه متسائلة..

أنا لم أعُد غلق الباب من الداخل فعلا بعد أن خرج “عبد المنعم”. فتحته عندما أتى والده في الصباح. إن كان قد خرج فعلا.. فمن أغلق الباب؟.

وفي نهاية الثانية الخامسة.. فعلت ما ظل حبيسا، انفجرت بالبكاء.

***

(2)

أول من رأيت وجهه.. كان أبي. يجلس بجانب الفراش في حجرة النوم. يبتسم لي في إشفاق. يبدو أنني فقدت الوعي بعد نوبة البكاء التي دخلت فيها. بنصف وعي أسمع أمي في الخارج تسن صوتها لمقارعة أم “عبد المنعم”، التي يبدو أنها تنسحب الان من معركة خاسرة.

أسمع صوت باب الشقة يُغلق في دوي عصبي خلفها. المرأة لن تنسحب إعتباطا.. أعرف أن ما تخشاه هو مواجهة عيناي، تعرف أن العيون ستسأل: “إين ابنك يا حاجة؟!”.

نظرت لأبي.. كان لا يزال يبتسم.. أراه الان بوضوح يقول:

– قلقنا عليك.

إعتدلت في الفراش بنصفي الأعلى:

– كم الساعة الآن؟.

– صليت المغرب منذ لحظات.

– لم يعد؟.

لم يرد.. أعدت عليه السؤال. تبدو الإجابة واضحة. لو كان قد فعل، فسيكون هنا جوارك.

– لم لا تكفين عن الارتجاف؟.

– أنا؟.

أبي لا يرمي الاتهامات جزافا.. كنت ارتجف بالفعل. لاحظتها على الغطاء الذي يهتز أعلى جسدي. ثبت النظر على جسدي عله يتوقف.. لا يفعل. لم أرتجف؟.

– أمه الجبانة هربت هي الأخرى.. وحياتها لن يطأ أحدهم قدمه هنا حتى يظهر إبنها. الشقة من حق “فريدة”.. بنات الناس ليست لعبة.

أمي بالطبع. لم أر عيناها بتلك العصبية والدمع المحتبس في المقلتين مثل اللحظة. أعرفها تريد أن تنهار باكية بجانبي.. لكن هذا ليس وقته. فلنبكي بعد أن نخرب بيوتهم جميعا.

نهض أبي.. طبع قبلة حانية على رأسي، وربت على يدي وقال:

– اطمئني..

قالها وغادر الغرفة. أمي أخذت مكانه على الفراش:

– سأبيت الليلة معك.

قلت لها، وأعرف أن العبارة لا قيمة لها:

– لا داع يا أمي.

***

أمي نائمة في الحجرة الجانبية.. حجرة قال لي عنها “عبد المنعم” يوما أنها حجرة الأطفال. الشاب يكبرني بثلاثة أعوام فقط. جاد وقليل الكلام هو. يذكرني بشباب إتحاد الطلبة بالجامعة. يظن نفسه وسيما.. يظن نفسه مهما.. يظن نفسه رئيس مصر القادم. فر هو في أول مواجهة رسمية.. يصلح كرئيس صراحة!.

نضهت من الفراش.. المبرد أصبح يشكل لي حالة عصبية. تتذكر نفس اللقطة التي تلتهم فيها قطعة اللحم قبل أن تكتشف الهروب. لو كنت في حالة أفضل لإلتهمت المبرد ذاته الان. وقفت أمامها أتفحص بالعين أي شيء يثير الشهية.. لا شيء.

الارتجاف يعود أمام مرآة المرحاض، المساحيق التي دُفع فيها ألف جنية كاملة.. فسدت. لم تعد تصلح.

أعرف الآن أن الحياة أصعب من أن تعرف فيها عن الغد. زوجة هارب تنتظر ولا تعرف لقبها في صباح باكر.. ستظل زوجة أم غير ذلك.

وددت لو أُنحي أمي في فراشها، أدخل بين أحضانها.. وأبكي. لست أنانية علي أي حال، بها ما يكفيها، وبالكاد نامت.

عدت لحجرة النوم.. كئيبة هي حتي لو أشعلت فيها أضواء مدينة كاملة.

أعرف أن في الامر سر ما، الشاب لم يحك عن قصة حب قديمة. أتي هو إلي بيتنا يطلبني للزواج. مسحت علي رأسي الذي يكاد ينفجر من ألم الصداع.. أتحسس شعري الذي تم كيّه، فائدة لا بأس بها، خرجنا بها من هذه الليلة!.

– “فريدة”.

تنتفض علي الفراش لنصف متر، الصوت الهامس لاتُخطئه. سمعت اسمي. أمي نامة.. والتلفاز مغلق. لهذا وجدت نفسي أقف أمام أمي أهزها. انتفضت هي الأخرى، نظرت لي بلهفة:

– ما الامر!.

– سمعتك تنادين.. أفعلت؟.

سؤال ساذج آخر، كأن تسأل من أتى لتوه: “هل أتيت!”. المرأة كانت نائمة، لم تناد بإسمي لتعود للنوم في اللحظة التي وقفت فيها أمامها مثلا. جلست بجانبها ممسكة بيدها متمته بكلمات غير مفهومة:

– سمعت صوت. صوته.. صوت ينادي… إسمي…

– حسبنا الله ونعم الوكيل. منه لله.

تقولها وتضمني إلى صدرها، ادخرت بكائها لوقت آخر، وهي تنهض لتجيب هاتفها. كان آبي يطمئن على الأحوال. تركتها عائدة لحجرتي.. والصوت يُعاد في عقلي. التوتر والاعصاب الملتهبة قد تنتج لك فيلما سينمائيا كاملا، بل وبإنتاج عالي التكاليف.

كنت أسمع أمي لا تزال تتحدث عن الشقة وعن حقنا، تقسم بأغلظ الايمان بأنها لن تترك حقي فيها أبدًا. صوتها يُشعرني ببعض الطمأنينة حتى لو كان غاضبا. أنهت هي الاتصال، ووقفت على باب حجرتي:

– أبوكِ هذا رجل طيب. لن نترك الشقة إلا على جثتي.

ابتسمت لها. ذهبت هي لتتوضأ لأجل الفجر. استلقيت على الفراش أقرأ رسائل التهنئة التي تلقيتها على الهاتف والفيسبوك. خليط بين المزاح الثقيل والدعوات بمباركة الزواج. لعل الله لم يستجب.. أو يؤجلها لوقت آخر.

– “فريدة”.

لاااااا هذه واضحة.. أهو هو؟. أم أن هذا النداء اختلط بصوت أمي. رأيتها تهرول للحجرة عائدة من المرحاض، بوجه غائم، وتصرخ بصوت قد بُح:

– لنترك هذه الشقة حالا.

***

 

الوسوم
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق