مقالات

عمر سامح يكتب: من يكسر الكليشيه؟

بقلم: عمر سامح 

عمر سامح
عمر سامح

لِجَوهر الوجود الإنسانى عنصران بديهيان، الحياة و البشَر.
هذا الوجود ما إن تحقق – فى لحظة سحيقة فى الزمن، و بدأ التفاعل النَشِطُ بين عُنصُرَيه، حتى خُلِقَ منهما كائنٌ جديد اكتسب صفاتَهُما وتجذّر فى أعماقهما وأخذ ينمو معهما بذات التشعّب والتوسّع والاطّراد والتعقيد، ذلك الكائن، هو النمط.
الأنماط هى العدد اللانهائى من القِطَع المتناثرة للوحة الإنسانية الكاملة،لا تتشكّل هذه إلا بتجميع تِلك. هى الانعكاس المألوف لـ«ملامح» التجربة البشرية وتعاملها مع ذاتهاالحاضرة وتاريخها المتوارَث، حين تنظر لنفسها فى مرآة الحياة.
لذا، فإن التعامل مع الأنماط والوعى بها والحُكم عليها، يتراوحُ بين ما هو نسبِىٌّ متغيّر وما هو مُطلَقٌ ثابت، ويتداخل فيه كل رصيد البشَر من الخبرات والإدراكات والأحكام.
فإذا تخيّلنا النمط مثلاً على شكل بَيتِ حجرىٍّ ضمن مصفوفة بيوت متشابهة الشكل واللون والأبعاد، سَنَجِدُ أن النظَرة إليه ممن يسكنون داخلَه ويحتمون به، ستختلف عن نظرة مَن ينظرون إليه من الخارج ولا ينتمون إليه – سواء خرجوا منه أو لم يدخلوه أصلاً.
الفئة الأولى سترى فى جدران البيت مأوىً آمناً جميلاً حتمياً للبقاء، بينما قد تراها الفئة الثانية سجناً مزعجاً، خانقاً وعبثياً ومبتذلاً.
هذا الابتذال، هو ما ينقل النمط لغوياً ودلالياً من الكلمة الانجليزية: pattern، إلى الكلمة العالمية: cliché
لكن ذلك الاختلاف شِبه الحتمىّ بين الفريقَين فى النظرة إلى «جدران النمط»، يقابله اتفاقُ شِبه نهائى على أمرٍ آخر يخصّ تلك الجدران: المخاطرة الكبيرة والصعوبة الشديدة والكُلفة العالية لتحطيمها – أو مجرد محاولة إزالة إحداها.
و كما يَسرِى ذلك على أنساق الحياة الواقعية، كذلك يَسرِى على عالَم الكتابة الأدبية.
خاصة إذا قرر كاتبٌ أن يتناول سيرة حياة شخصية حقيقية لا مُتخيّلَة .
وبالأخص أكثر حين لا تكون شخصية عادية، لكن لها تأثيرٌ كبير ومكانة هامة وحضورٌ طاغٍ فى صُلب التاريخ السياسى أو الموروث الشعبى أو العقيدة الدينية لثقافة المجتمع الذى يستقى منه الكاتب مادته، تُحيط الشخصية بهالةٍ أسطورية لها سِمَة التحريم وطابع القداسة. كيف سيتعامل الكاتب مع هذا؟
لنَعقِد مقارنة سريعة بين عملَين روائيَين تناولا هذه المنطقة. الأول ينتمى لثقافتنا العربية، و صدر منذ بضعة أشهر –«موت صغير» لمحمد حسن علوان، و الثانى قديم نسبياً وينتمى لثقافة أمريكا اللاتينية، «الجنرال فى متاهته» (1989) لجابرييل جارسيا ماركيز.
فى الرواية الأولى، يتناول الكاتب سيرة حياة الشيخ الأكبر محيى الدين ابن عربى منذ مولده حتى وفاته. الرواية لها قوتها وجماليتها – وقد نالت استحسان القرّاء و النقّاد و فازت بجائزة البوكر. لكننا لسنا هنا بمعرض التحليل النقدى لها – كل ما سنفعله أننا سنطرح على أنفسنا السؤال المرتبط بالموضوع: كيف أثّر دخولنا عالم الرواية الضخمة (حوالى 600 صفحة) على تصوّرنا عن “النمط” المُسبَق الراسخ لدينا عن الشخصية؟ صوفيتها و نورانيتها و نقائها و عُمق حكمتها؟
هل خرجنا وقد تعزّز لدينا النمط، أم اهتزّ؟
الإجابة المتفق عليها هى الأولَى. فقد اشتغل الكاتب جيداً على تجربة ابن عربى الحياتية و الروحية و نجح فى تضفيرهما معاً، لكن تم ذلك فى اتجاه المألوف المتوقّع من / عن الشخصية دون الحياد عنها إطلاقاً.
طبعاً ليس بالضرورة أبداً أن يفرَض على الكاتب تناول زاوية غير معتادة، أو الاهتمام بالبحث عنها وتقديمها – هذا إن وُجِدَت أصلاً. لكن هذا لا يمنعنا من طرح التساؤل الافتراضى: ماذا لو وُجِدَت؟ واختارها الكاتب و قدّمها لنا؟ ماذا لو قرر الكاتب أن يُرينا ابن عربى فى ضوءِ شمسٍ لم نعتَد عليها؟
فى الأغلب، كان العملُ سيحلّقُ فى آفاقِ إبداعٍ أعلى، و يَصِلُ إلى مستوياتِ كشفٍ أرحَب، بعد أن تحرّر من أسْر النمَط.
لكنه فى نفس الوقت، كان سيخاطرُ بالتحليق وحيداً، خارج السرب، وعكس تيّار الهواء، و فوق منطقة مغلقة ومحظورة – مما يجعل احتمال سقوطه فى الشرَك – أو على أقل تقدير إشاحة الوجوه عنه وتركه لمصيره المستحقّ وضريبة اختياره المتهوّر – أمراً شِبه حتمىّ.
وهذا ما حدث مع رواية ماركيز.
الجنرال المقصود هو “سيمون بوليفار”، المحرر الكبير لشعوب أمريكا اللاتينية من قبضة الاستعمار الأسبانى، الذى كانت لجهوده الدور الأكبر فى خروج ست دول مستقلّة إلى حيّز الوجود، والذى صار مع الزمن أيقونة الفخر التاريخى الأصيل والعظيم والمتوارَث لمئات الملايين من البشَر.
لكن ماركيز اختار أن ينحّى تلك الهالة جانباً، و يسلّط الضوء على الأيام الأخيرة من حياة الجنرال، بعد انهيار حلمه فى توحيد دول القارة، و اشتداد وطأة النزاعات السياسية بينها، و قراره هو بالتنازل عن الرئاسة و الذهاب إلى المنفَى. فلا نرى أمامنا إلا رَجُلاً هزيلاً يفتك به المرض، و مستبداً سُلطوياً سابقاً صار وحيداً مخذولاً فاقداً لكل هيلمانه السابق، و إنساناً عاجزاً تائهاً فى مجاهل القرى الفقيرة و الأحراش البريّة.
بمقياس القيمة الأدبية، اعتُبِرَت الرواية فَتحاً جديداً فى الرواية اللاتينية، وتناولاً جديداً للتاريخ السياسى ونصاً مختلفاً جذرياً عن كل ما سبق أن كتبه ماركيز قبل ذلك.
لكن ذلك الرأى كان هامشياً للغاية، لم يكَد أحد يجرؤ على الجهر به، ولا على احتمال سماعه.
الأغلبية الكاسحة من النقاد والمثقفين و السياسيين فى فنزويلا (انتماء بوليفار) وكولومبيا (انتماء ماركيز) و حتى المكسيك شمالاً، هاجموا الرواية بضراوة بالغة، لم تقلل منها مكانة الكاتب المرموقة أو شعبية مؤلفاته أو حتى نَيلِه لجائزة نوبل قبلها ببضع سنوات. اعتبروها خدمة مجانية للأعداء، وتشويهاً لسمعة قائد عظيم عاش ومات من أجل تحرير الشعوب، بَل وصل بأحدِهم اعتبارها “عاراً و تدنيساً لشرف قارة بكاملها ”
……………..
إذَاً، فمَن يكسر الكليشيه؟ فى الكتابة أو الحياة؟
ببساطة، هو مَن يستطيع – أو لا يهتم – أن يخسر كل شىء تقريباً، مقابل أن يقول ما لديه، ويَصِلَ إلى الحقيقة – و يعبّر عنها – كما يراها هو – لا كما يراها الآخرون.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى