الرئيسية / أبيض وأسود / أحمد الفران يكتب: السويسري “جون نينيه”.. المواطن مصري!

أحمد الفران يكتب: السويسري “جون نينيه”.. المواطن مصري!

بقلم: أحمد الفران

“كتبت لكم أن الفلاحين والجيش هم سلالة متماسكة، فالمزارع يُهيمن على الجندي، نفس الدم والعادات والدين والاحتياجات.. لذلك فالجيش على وشك الثورة في مصر..” القاهرة ١١ فبراير ١٨٨١.

“مدينة القاهرة داخليًا.. قذارة يضرب بها المثل” الإسكندرية أول ديسمبر ١٨٨٠.

“فإن وادي النيل الذي صار جزءًا من الطريق إلى بلاد الهند الإنجليزية لن يخضع سوى للمارد الإنجليزي المتعطش لا محالة” الإسكندرية ١٩ يوليو ١٨٧٩.

“فالفلاحون قد ولدوا لكي يملأوا خزائن فرعون” الإسكندرية ١٥ يونيه ١٨٧٩.

“يا الله.. إن هؤلاء الأهالي يتمتعون بالذكاء، فإن كانوا يرتضون بأن يساقوا كالماشية إلا أن أحدًا لا يستطيع خداعهم، وتغلب على تعليقاتهم نكهة يحسدهم عليها الأوروبي” الإسكندرية ٢٤ مايو ١٨٧٩.

هذه مقتطفات بين حوالي ٨٣ رسالة أرسلها “جون نينيه” من مصر في الفترة ما بين عامي ١٨٧٩ حتى ١٨٨٢ لصحف فرنسية وإنجليزية وسويسرية، كانت الأبرز عالميًا آنذاك وهي لوسييكلولانترانزجينسو التايمز.

يستطيع أي قارئ أن يستخلص منها أن كاتب تلك الكلمات ليس مجرد مراسل صحفي وإنما مواطن مصري متغلل بقوة في المجتمع المصري، ولا عجب؛ فإن كاتب تلك الكلمات هو المزارع السويسري والصحفي الحاذق المؤرخ “جون نينيه” الذي لعب دور خطيرًا في المجتمع المصري بقيامه بدور الوسيط بين والي مصر وفلاحيها، وتطوع ليعمل طبيبًا أيضًا لمعالجة آلامهم باستخدام الطرق البديلة، فاستمع إلى شكواهم واستنتج ردود أفعالهم وتفاعل مع منطقهم بحيث بات المواطن السويسري يطلق على مصر وطنه الثاني، وكيف لا وقد قضي ٤٣ عامًا على ضفاف النيل.

لقد استطاع “نينيه” أن يصور المجتمع المصري بأكمله من خلال حرصه على شرح الحركة السياسية والأزمة الإقتصادية مع إدراك كامل لحجم التحولات في المجتمع، وكانت لعلاقاته الدائمة التي تربطه بحكام الأقاليم ومندوبي الشرطة والجنسيات المختلفة المتواجدة على أرض مصر.

جنيف – واشنطن – القاهرة
في عام ١٨١٥بحي سان جارفيه بمدينة جنيف وُلد “جون نينيه” وسط عائلة حرفية كبرى، وما لبث أن التحق بمدرسة “كالفان” عام ١٨٢٤، عاصر خلالها حركات التحرر التي تشهدها سويسرا، وفي عام ١٨٣٤ انتقل “نينيه” إلى مدينة “هافر” الفرنسية ليتولى مهمة استيراد القطن من الولايات المتحدة الأمريكية، وسرعان ما تطلع الشاب الصغير إلى الذهاب إلى منبع القطن ذاته بالولايات المتحدة الأمريكية ليتعلم زراعة القطن ويشارك في تحسين بعض سلالات الأقطان.
وفي عام ١٨٣٩ عاد “نينيه” إلى جينيف مرة أخرى ثم ما لبث أن تطلع إلى اكتشاف مصر التي يقود زمامها الحاكم القوي محمد علي، فغادر جنيف إلى مرسيليا حيث أبحر إلى مصر.

المُزارع
في القاهرة اجتمع “نينيه” بمحمد علي مرتين، فقام بإدخال آلات الحلج إلى مصر لأول مرة، وعهد إليه الباشا بزراعة ألفي فدان من القطن بالدلتا، وعينه ناظر مخازن الحكومة بالمنصورة، ثم ما لبث أن بدأ بزراعة القطن لحسابه الخاص بالسليمانية محافظة الشرقية بين عامي ١٨٤٣ و١٨٥٤.
اقترب نينيه أكثر من والي مصر عباس، فتعاقد معه عباس على توريد بذور القطن لأملاكه بالتل الكبير، ثم توثقت علاقته أكثر فأكثر من الوالي سعيد.

المواطن
عايش “نينيه” التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ضربت أركان المجتمع المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ورأي “نينيه” أن هناك قوة جديدة تخرج في مصر مكونة من الفلاحين الذين التحقوا بالجيش وسمح لهم بالترقي في الجيش وسط غفلة من الوالي سعيد، تلك الترقيات التي أوقفها الخديوي إسماعيل.
ومثل المصريين تمامًا شعر “نينيه” بالديون التي تسبب فيها بذخ إسماعيل وكتب على الفلاح المصري وحده تحملها باعتباره المنتج الحقيقي الذي فرض عليه تسديد هذه الديون اللانهائية، فكانوا يلقون ألوانًا من العذاب على أيدي مندوبي الضرائب، فإن أكياس الدقيق هذه -كما يسميهم الوالي- مليئة كانت أم فارغة لا بد أن يخرج منها شيء عند ضربها”.

الثائر
مع نهاية عصر إسماعيل، تفاقمت الأمور تمامًا، وهنا يلعب نينيه دور سري غاية في الخطورة وفي إذكاء شعور الاستياء تجاه الخديوي، وانخرط في معاقل الماسونية التي برزت في مصر آنذاك، وتنقل بين الحركات التحريرية في الشرق الأوسط فالتقى الشيخ السنوسي بشمال أفريقيا، وتنقل في أرجاء مصر ليستمع إلى خطب الأفغاني، وكان يدعوه “صديقي جمال الدين”، وبين جدران السجن التقى محمد عبده وسط المتمردين عام ١٨٨٢.
ارتبط “نينيه” بعرابي ارتباط وثيقًا، حتى أصبح المستشار الخاص له أثناء الثورة العرابية، هذا الارتباط الذي وُلد مبكرًا في مسقط رأس عرابي بالشرقية، وبفضل هذه العلاقة الوثيقة كان “نينيه” يعلم أن الأحداث في مصر لن تنتهي بتنفيذ مطالب الجيش في عام ١٨٨١ فقال بكل ثقة “لا تصدقوا أن الأزمة المصرية قد انتهت ولكننا ندخل فيها”.

الصحفي
أكمل “نينيه” عامه الرابع والستين ولم يكن قد دخل عالم الصحافة بعد، ولكن شخصيته التي تمتلك إرادة جريئة لا يجمحها جامح جعلته يقتحم عالم الصحافة، ويسخر قلمه إلى قضية المصريين التي لا تملك مدافعين عنها أمام الرأي العام الأوروبي، وانطلقت أولى رسائلها من الإسكندرية في عام ١٨٧٩ إلى صحيفة “لوسييكل” الفرنسية واسعة الانتشار، تلك الرسائل التي انتظمت بشكل دوري في الصحف الأوروبية حتى عام ١٨٨٢.

المؤرخ
انتهت الثورة العرابية بالقبض على “جون نينيه”، وزج به إلى سجون القاهرة بدون أية اتهامات أو أحكام، أمام القنصل البريطاني دافع “نينيه” عن براءاته مؤكدًا للقنصل بأنه ليس سوى مؤرخ، وهذه هي المسئولية الوحيدة التي يتحملها، فهل حقا كان مؤرخًا..؟
لا شك أن مُجمل مؤلفات “نينيه” تضعنا أمام شخصية فريدة ومثيرة في تاريخ مصر الحديث، تلك المؤلفات وهي “عرابي باشا – برن ١٨٨٤” و”أصول الحزب الوطني المصري” بخلاف رسائله تجعلنا نتوقف كثيرًا أما شخصية “نينيه” التي تحتاج إلى كثير من الدراسة والنقد، من خلال دراسات نقدية تحلل لنا الجانب الخفي لهذه الشخصية، والتي اعتقد أنها لا تبتعد كثيرًا عن تاريخ الاستخبارات.

خلاصة القول فإن الفلاح المهندس الطبيب الصحفي الثائر المؤرخ “جون نينيه” كان جزءًا لا يتجزأ من التاريخ السري لمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ذروة تحولها وذلك من خلال الشبكة الضخمة التي كونها على مدار ٤٣ عامًا بمصر، والتي تركها مٌكرهًا بعد فشل الثورة العرابية، تفرغ بعدها لكتابة أحداثها في كتابه الشهير “عرابي باشا”، ووافته المنية في “برن” بسويسرا سنة ١٨٩٥.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضاً

هيباتيا تكتب: العلاقة الأقوى «٢»

بقلم: هيباتيا  قلنا إن الزوجين ملكية مأمونة، شغف السعي للحصول، وشغف التجربة الجديدة والمشاعر المتوهجة …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend