إبداعقصةمشاركات أدبية

أزهار الربيع..

بقلم: أسامة القللي

وأخيرًا لَحِقت به، فجَذَبَته من طرف قميصه، ثم شَدّته شدة أوقفته وغيرت اتجاهه فأصبحا متقابلين، فضمته إلى صدرها لتستشعر حرارة أنفاسه وهي تشق طريقها بإصرار بين نهديها، ودّت في تك اللحظة أن تشق ضلوعه وتقتلع قلبه من مربضه لتغرس فيه لقاح عشقها وتخبره في وداعة ألا يحب غيرها؛ فحبها -كحال النسوة كلهن- أناني وحصري لا يسمح بأي مساحة من المشاركة أو الاقتسام.

****
استيقَظْت من نومي منتشية، ثم أطرقت برأسي للحظات وتذكرت عهد طفولتي فاستحضرت مشهدًا لا يغيب عن مخيلتي بكل تفاصيله رغم مرور سنوات… تذكرت عندما جلست على ساقي أمام حوض للأزهار مقتربة منه بوجهي قدر استطاعتي حتى لامست ركبتيّ العشب الأخضر، أردت أن أتبين هل تفتحت الأزهار أم لم يحن وقتها بعد، وكانت خيبة الأمل تجتاح مشاعري كل مرة ألمح فيها أوراق الأزهار وقد ظلت مقيدة بتيجانها ولم تتحرر متفتحة منها بعد، عدا تلك المرة التي غمرني فيها ظلاً كبيرًا لم أتبين صاحبه إلى عندما انتصبت واقفة واستدرت ناظرة إلى أعلى لأجد سيدة عجوز تربت على كتفي لتزيح ملامح خوف أطبق على ملامحي، وتزيل أثر رعشة طاغية سرت عبر أوصالي. “هل تحاورين الأزهار؟” سألتني مبتسمة، فأجبتها بالنفي وإن كنت أود ذلك، “فقط أقترب منها لأتعجل تفتحها” أضفت بصوت خافت فزادت ابتسامتها وقالت بينما تُطبق برفق على كفي الأيمن “سأسديك نصيحة لا تنسيها يومًا.. لا تتعجلي أزهار الربيع”، إن الله قد سمح لنا أن نصلي صلاة استسقاء لكنه لم يطلب منا أن نصلي صلاة استزهار”، ثم همست في أذني “فقط امنحيها لهفتك وشوقك لترتوي بهما”، ونَظَرت إلى حوض الأزهار نظرة رقيقة أشعرتني أن هناك من يشاركني ولعي بالأزهار، وبينما استغرقت متأملة نصيحتها إذا بها تنطلق مبتعدة دون وداع لها أو تحية.

****
دقت ساعة جامعة القاهرة معلنة عبر الراديو أنها السابعة صباحًا، فهرولت مسرعة لأستعد ليوم جديد، مغمورة بذكرياتي عن ولعي بالأزهار وتعَجُّل تفتحها، تلك الذكريات التي لازالت حية بداخلي وحاضرة في حياتي، فهي دومًا تعيدني إليك وإلى حبك الذي أسرني داخل حبس انفرادي، وسلبني كلمة المرور إلى فكري ووجداني فاستحوذ عليهما بسيطرة تامة، حتى أصبحت يومًا بعد يوم تشاركني كل شيء فأراك تقف بجواري أمام المرآة تتغزلني وأنا أضع مكياجي، وتلحق بي في المطبخ لتتذوق ما أطهو، ثم تسبقني كي تُشعل الشموع على طاولة العشاء، وتطلب مراقصتي على أنغام الموسيقى التي أفضلها.

****
أتذكر عندما وقعت في شِرك فخ نُصب بإحكام اندفعت نحوه متعجلةً الحب كما أتعجل تفتح الأزهار، فإذا بي أتجرع الألم بعدما أجهز الخداع على حبي وأصابه في مقتل حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، كالآفة التي تهاجم الزهرة فتمتص عصارتها حتى تتعفن وتذبل.

****
أتذكرك وقد أنقذتني في اللحظات الأخيرة، تمامًا كما يفعل الفرسان الأحرار في عصور النبلاء المستبدين.. أتذكرك عندما نظرت إليّ وابتسمت ابتسامة لم أختبر صدقها، ثم تنهدت بحرارة قائلاً “ألا تعلمين أنك نور عينيّ؟”.

أتذكركم جميعا كما أتذكر فرحتكم وسعادتكم وفيض التفاؤل يتدفق عبر أعينكم عندما أخبرتكم أنه قد طلبني للزواج.
أتذكر أيضًا كيف بدلتك الأيام أو بالأحرى كشفت عن جوهرك، كزهرة غضة أضحت أوراقها شوكًا حادًا مدببًا.

****
ظل ذلك النهر الجارف من الذكريات يتدفق حولي بقوة، وتردد بداخلي تساؤلاً مفزعًا كرعد هادر.. ماذا الآن وقد كشفت المروج الخضراء في وجهك عن تضاريس وعرة، وأصبحت أمارات الزهد والورع التي كانت تعتلي جبهتك وشاحًا أسودًا يختبئ من ورائه عقلُُ ملطخُُ بأفكارٍ تضج شرًا.

****
أصبح الحلم القديم يراودني من جديدكل ليلة ولكن نهايته تبدلت مثلما تبدلت أنت.. فلازلت ألحق بك وأجذبك من طرف قميصك وأشدك شدة توقفك وتغير اتجاهك فنصبح متقابلين فأضمك إلى صدري، إلا أني لا أود في تلك اللحظه ما وددته سابقًا.. عند تلك النقطة يتعدل السيناريو، فأستل سكينًا منزليًا من وراء ظهري، وأطعنك بثباتٍ طعنة نافذة أسفل الرقبة، فتجحظ عيناك وتبتسم ابتسامة يدركني صدقها تلك المرة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ما أكثر ما تتحول أحلامنا الجميلة إلى كوابيس مزعجة لا سبيل للفكاك منها سوى بالاستيقاظ من سباتنا؛ فهل من موقظ ؟

  2. تراودنا احلاما كثيرة وزكريات .. احدهم يتفسر ويصير حقيقه ونراه بوجهه السىء القبيح .. فنود ان يعود مجرد حلمــا ولن نتمني حدوثه في الواقع

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى