إبداعقصةمشاركات أدبية

«ملامح الوطن»

قصة: هدى توفيق

كانت الفرحة والأمل تعم الجميع لهذا الحدث التاريخى يوم 26/5/2014، بالذهاب إلى مقار الانتخابات الرئاسية، بعد توالي سبعة رؤساء على حكم مصر خلال هذه الفترة العسيرة من عمر الوطن بعد تنحي الرئيس السابق فى 11/2/2011 عقب ثورة يناير 25/1/2011 ومن فرط الحماسة بين زملائى وزميلاتى فى العمل، أصدرت أبلة آمال وكيل شئون العاملين في إدارة 6 أكتوبر التعليمية قرارًا حاسمًا بتقسيمنا إلى مجموعات تذهب وتأتي حتى لايتأثر سير العمل الوظيفي، وكان من حظي الجيد أنني كنت واحدة من المجموعة الأولى مع صديقتين أخرتين، وابتسمنا ثلاثتنا زهوًا وفرحًا لإختيار الرئيسة لنا أولا؛ لأننا سنذهب مبكرًا تقريبًا عقب فتح لجان الانتخابات قبل الزحام, التي هي فى أماكن متفرقة في مدارس 6 أكتوبر وشملنا إحساس غريب وجديد، بتلك المسئولية، ومدى أهمية صوتي الإنتخابي، فأنا صراحة لم أعش تلك التجربة من قبل، فهذه المرة الأولى، التي أحظى بها بالذهاب إلى الإنتخابات، ومن كثرة ما مر على وطني من انتخابات لايعنيني الأمر وأضحك وأقول بتفكه وسخرية: – ياعم دي الحكومة.. والبلد بلدهم.. والكراسي لحبايبهم وحبايب حبايبهم.. وبينما نستعد بتلهف للذهاب  وكأننا ذاهبون لحفل أو فرح عرس.. أشارت لي الرئيسة بغمزة من عينها اليمنى مع إصبعها السبابة بالذهاب والنفي، أى أنا بالذات لا أعود مرة أخرى للعمل بعد أن أدلي بصوتى الإنتخابي، وذلك رأفة بحالي فى تعثر السير ومشقته لعرج يلازمني فى ساقي اليسرى على إثر حادث مأسوي تعرضت له من عامين.
و حين عودتي من الحي السادس؛ حيث كانت لجنتي الانتخابية فى مدرسة المستقبل للتعليم الأساسى، ومازال شعور الزهو والفرحة يملؤني أشرت للعربة الكبود .
ذات الصندوق البشري من الخلف المرفوع بسلم حديدى صغير عالٍ للصعود والهبوط منه وإليه، ومن الأمام سائق وراكبين لاغير، وللأسف الحكومة تتواطأ مع شرطة المرور، لمضايقتهم بشتى الطرق، لحساب ناس أخرى، تريد أن تستحوذ على الطريق فى المدينة، وهؤلاء السائقون أغلبهم من محافظة الفيوم، أتوا من أكثر من 20 عامًا للعمل والعيش، وقت ما كانت هذه المدينة مجرد صحراء، ورمال لا معالم لها، وذاك قبل أن يصبح هذا الرمل يباع ذهبًا الآن بأغلى الأثمان، سيرًا على الأقدام ذهبت لموقف تلك العربات، بعد أن مللت من الوقفة أمام اللجنة الإنتخابية، التي أقام بها الجيش لأكثر من 200 متر قبل أن تصل إلى المدرسة متاريس حديدية وعساكر جيش منتشرون فى كل مكان.
أشرت لسائق أن يفتح لي باب المقعد الأمامى؛ حيث لا أستطيع التسلق داخل الصندوق البشرى الخلفي، رفض بشدة، فذهبت لآخر وآخر أيضًا يرفضون ويقابلون طلبي بلا مبالاة ودون مراعاة لعرجي وعكازي الذي يصاحبني، حتى لمحني سائق ابن حلال، وهرع مسرعًا متسائلا: – مالك يا أبلة.. تحبي أوصلك قلت له ضجرًا: – شكرًا وصمت والغضب يملؤني
ودون انتظار لإجابة ذهب على الفور لسائق شاب وأمره بعد رفضه الأول وألح فى طلبه ممزوجًا بالشتائم المصرية المعهودة بين عامة الشعب، ثم فتح الشاب الأسمر الجميل الطلعة باب السيارة، ودون إرادة ظللت أتأمل ملامح وجهه الشديدة السمرة بعينين سوداوين سوادًا لامعًا غائرًا فى حزن دفين لا أعرف (من أين أتاه)، وشعره أسود ناعم ومفلفل، ولامع من جيل كثيف أضفى على ملامحه غزارة وعمقًا لشخصه الذي لفت انتباهي للغاية وقلت مباشرة بعد أن جلست، وارتحت وأخبرته ألا يجلس أحد بجانبي وسأدفع الأجرة كاملة: –
ـ إذا لماذا ترفض أن أركب بجانبك؟ ألا ترى عرجي وعكازي أيها الشاب المصري الجدع.. ألست مصرى جدع.. قل لي؟
نظر لي نظرة صارمة متبرمًا من عتابي وتهكمي، وقاد السيارة صامتًا صمت القهر، لكن لم أسكت، وجاءني تحد داخلي أن أفتت هذا الحزن الذي يحاصر هذا الشاب الجميل لينشطر إلى كلمات وفضفضة لاريب فيها إثارة ما جاءني شعور بذلك.
فقلت وأنا أبتسم: – هل ذهبت إلى الانتخابات وأكملت دون أن أنتظر ردًا منه
ـ بالتأكيد انتخبت المشير عبد الفتاح السيسى مثلنا جميعًا لم يرد بغير نظرته الصارمة هذه، فقلت تمللاً: –
– طيب على راحتك:
وفجأة ملأ دهشتي بنبرة هادئة وصادمة قائلاً:
– أنا لست مصرىًا يا أبلة.. أنا من ليبيا
فعاجلته قولاً: –
– لكن لهجتك مصرية جدا، وأيضًا ملامحك مصرية.. نعم والله مصرية بلا شك.. هذا غير معقول واستطرد يقول بنبرة مهزومة وحزينة:-
– نعم أنا هنا من بعد ثورة يناير 2011، لهذا لسانى اتعود على اللهجة المصرية
قلت وصوتي خفض وقد تسربت إلي مشاعر طاغية بالانكسار: –
– لك حق لا تذهب إلى ليبيا، ربما يقتلونك
فرد بحدة صارخًا من حمل ثقيل جاثم على صدره وقلب ممزق:-

– لكنى أريد الذهاب إلى أخي.. أريد أن أعود إلى عملي فى طرابلس، ألا تعرفين أني متعلم وحاصل على الجامعة، وتاجر سيارات وقطع غيار محترم فى بلدي؛ حيث امتهنت مهنة أبي رحمة الله عليه.. بينما عندكم سائق حقيرعلى سيارة كبود وضيعة.. أهذا عدل.. أهذا الربيع العربى..
قلت بتعاطف حقيقى: – اهدأ.. ما اسمك؟
– محمد.. أعتذر يا أبلة.. أين سكنك حتى أوصلك إليه لوسمحت؟
– شكرًا يامحمد.. أنا معك لآخر الخط فسكني في الحى العاشر.. لا تقلق.. أرجوك لا تعود يا محمد إلى ليبيا الآن.. ميليشيات الإخوان سوف تقتلك لامفر
– وقال ساخرًا: –
_لا هم ليسوا إخوانًا مسلمين متطرفين، إنهم جميعًا مسلمون عاديون شيعة يقتلون سُنة والعكس .
– ياربى مثلما يحدث فى العراق.. ولا يهمك ربما يجمع الشمل على يد اللواء حفتر فرد سريعًا وبقوة وبثقة العارف والمدرك لغور الأمور الشائكة فعلا: –
– لن يفعل شيئًا، لا يوجد جيش الآن، بعد أن تفكك وتناحرعلى يد اللعنة حلف الناتو بعد الثورة والقتل البشع للزعيم الليبى السابق معمر القذافى .
قلت بياس: – وكيف إذًا تُدار الأمور يا محمد؟
– هناك محاولات للم الشمل، والإتحاد، من خلال قبائل عديدة، تتولى كل قبيلة حوالى شهر القيادة وتوحيد الجبهة الشعبية مع ما تبقى من الجيش
– إن شاء الله قريبًا – استبشر خيرًا يا محمد
وقال بإصرار وعزيمة صلبة المراس : –
– لن يتغير شيء، لن يفعل أى أحد شيء مطلقًا، أنا أجزم لك قولا وصدقًا، أنا أعيش فى محافظة الفيوم، فى قرية الغرق التابعة لمركز اطسا مع أمى وأختى الصغيرة فى شقة متواضعة، ورديئة، مثل عملى هنا، لارتفاع الإيجارات فى مدينة الفيوم والمراكز التابعة لها، أنا وأسرتي تركنا منزلنا الكبير، وأعمالنا المهمة وتجارتنا وثرواتنا هل يصلح هذا يا صانع الربيع العربى؟ وأقولك مثالاً أصدق تطبيق لما أحكيه لك تلك محافظة الفيوم التى تعدادها لنقل مليوني مصرى تقريبًا، ربما يعادل أكثرأو قليلا من سكان ليبيا، لكن الإختلاف المميت، أن فى ليبيا مليوني قطعة سلاح، الطفل لايتجاوز عشر سنوات، ويحمل السلاح بل وأكثر من نوع.
وبعد يأس تسلل لجوارحنا صمتنا حزنًا وقهرًا، حتى يعود محمد بحنين قاتل للحديث عن أخيه الكبير الذى مازال فى طرابلس، والقلق والحيره تراوغ كغبشة ضوء نهار تحاول البزوغ بأى حيلة وقال: –
– لكنى خائف على أخى وأسرته
فقلت تكلفًا: – إذا دعه يأتي إلى مصر-
فقال متوترًا: – لا يصلح أن يأتي، هو متزوج ولديه أسرة وعمل وكيف يأتي وماذا يعمل؟ والله الموت أرحم من هذه الغربة والفقر والبؤس الذى بتنا فيه
وقلت مجاملة ولم يعد الكلام له أي مغزى لكلانا والمقت والغم ملأ روحي وقد اقتربت من مسكني:
– كم عمرك؟
ـ 25عامًا
– وأخوك
-30عامًا
ألحَّ أن يوصلني إلى شقتي، لكنى رفضت وشكرته كثيرًا، وأعطيته الأجرة التي نسيت دفعها بعد إصرار مني وقلت له بابتسامة فاترة : –
ـ ربنا معك يا محمد.. لكن تذكر مصري، ليبي، ملامح الوطن واحدة.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى