إبداعقصةمشاركات أدبية

الفراشة..

قصة: هاني عبد الجليل

قبل ميعاد الفسحة بدقائق، دفع باب الفصل بقوة حاملاً قفص ممتلئ بالسندوتشات. طويل القامة، عريض المنكبين ذو بشرة سمراء وشارب خفيف. إنه عم “ناصر” فراش المدرسة.

وضع قفص السندوتشات على أقرب دكة وصاح بصوته الغليظ “مفيش فسحة واللي مش هيشتري مني سندوش هيموت من الجوع”. خرجت المعلمة من الفصل تاركة اياه لعم “ناصر” دون أي تعليق بالإيجاب أو النفي.

كانت مدرستنا في قرية من قرى الدلتا الفقيرة، لم نعرف بعد عمل السندوتشات في البيت واخذها معنا إلى المدرسه. كان الأب يكتفي بوضع “ربع جنيه” في يد ابنه يصنع به ما يشاء.

كنا في الصف الأول الإبتدائي -أطفال صغار لم تقوى تجربتهم بالمدرسة بعد- اشترى كل منا ساندوتش من عم “ناصر”. عبارة عن نصف رغيف بلدي به قرصين من الطعمية الباردة، وقطعة صغيرة من الطماطم التي أوشكت على الفساد. فقد كانت زوجة عم “ناصر” تصنع له هذة السندوتشات في الليل ليأخذها معه عند ذهابه للمدرسة. وعندما يجيء ميعاد الفسحة في العاشرة تكون باردة لا طعم لها ومع ذلك كان يبيع السندوتش “بربع جنية”.

بعدما اشترى كل التلاميذ وخرج عم “ناصر”، مرت دقائق قليلة ثم دق جرس الفسحة ووجدنا التلاميذ الكبار في الطرقات والحوش. خرجنا من الفصل وعرفنا أن عم “ناصر” خدعنا، فهاهي الفسحة، وهاهم التلاميذ يشترون ما يحلو لهم مما يوجد داخل المدرسة أو خارجها بالقفز من على السور.

في الغد قال لي صديقي “أحمد” أنه لن يشتري من عم “ناصر”، وسوف يشتري من المطعم المجاور للمدرسة. قبل الفسحة بدقائق دخل عم “ناصر” كعادته بوجهه المتجهم وصوته الغليظ “مفيش فسحة النهاردة واللي مش هيشتري هيموت من الجوع”.

خرج التلاميذ يتوافدون عليه. خفت أن يكون كلامه هذة المرة صدق فقمت واشتريت. وقد لاحظ أن “أحمد” لم يشتري منه، فقال له “وأنت ما اشتريتش ليه يا ولد” رد “أحمد” “مش جعان” فقال بصوته الغليظ “أنت حر”.

بعد دقائق لم يدق جرس الفسحة، فشعرت بالراحة وأني كنت على حق، ولكن “أحمد” كان هادئ واثقًا في نفسه. بعد لحظات دق جرس الفسحة، فوجدت “أحمد” يقفز من فوق الدكة مسرعًا إلى الحوش وكأنه طائر في قفص وتم فتح الباب له. طار فوق السور برشاقة وبقفزة واحدة كان في الشارع متجهًا إلى المطعم.

بعد قليل عاد إلى الفصل ومعه سندوتشان من الطعمية الساخنة بداخل كل منهما قطع طماطم طازجة وبعض الطحينة وقطع من المخلل، كل هذا “بربع جنيه “. وهكذا عرفنا أن عم “ناصر” ليس فقط مخادع بل ونصاب أيضًا. أخذ “أحمد” يقطم سندوتشه في تلذذ ونحن ننظر إليه في خجل.

في اليوم التالي بصوته الجهور قال “مفيش فسحة النهاردة”، لم يخرج إليه أحد، ارتفع الدم إلى رأسه وظهر هذا جليًا على وجهه الذي تلون باللون الأحمر، ثم ردد قائلاً “مفيش فسحة واللي مش هيشتري هيموت من الجوع”.

خرج أحد التلاميذ من دكته وضع في يده الفلوس وأخذ سندوتش، فخرج وراءه باقي التلاميذ، مترددًا وضعت في يده “ربع جنيه” متمنيًا أن يصدق هذه المرة.

دق الجرس كالعادة، وأنا داخل جدران الفصل أأكل السندوتش في ازدراء كان “أحمد” يُحلق فوق السور كفراشة خرجت لتوها من الشرنقة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى