إبداعقصةمشاركات أدبية

ما الذي كان في الصورة يا أبلة ثريا؟

قصة: أحمد صلاح 

أحمد صلاح

مازلت أذكر ذلك اليوم جيدًا وكأنه بالأمس، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثين عامًا، كنت في الصف الخامس الإبتدائي، فترة مسائية، تلك الفترة التي تبدأ في الثانية عشر وتنتهي في الخامسة، كنت أحب الفترة المسائية، فلم أكن ملزمًا بالاستيقاظ مبكرًا مثل الفترة الصباحية التي لابد وأن أكون في المدرسة في السابعة صباحًا.

كانت مدرستي مبنى واحد، سرايا قديمة حولتها ثورة يوليو إلى مدرسة، أُلحقت بها بعد ذلك مباني الفصول، تحولت السرايا إلى غرف للناظر والإدارة والمكتبة، الفترة الأولى كانت لمدرسة اسمها “العهد الجديد”، تسمية ثورية لعهد يوليو، أما مدرستي التي كانت فترة ثانية فكان اسمها الإمام محمد عبده،
كنا دائمًا ما ندخل فصولنا بعد انصراف المدرسة الأولى، نمسح السبورات، نفتح الأدراج نفتشها، لعل أحد التلاميذ ترك قلمًا أو بقايا سندوتش، نتشاجر على ممحاة، ثم نهدأ بمجرد دخول المعلمة.

مازلت أذكر ذلك اليوم جيدًا، كانت الحصة الثالثة قبل الفسحة، أبلة “ثريا” مُدرسة العلوم تشرح لنا نظرية عمل الكاميرا، كانت ترسم على السبورة خطوطًا لمربع، به فتحة صغيرة من الأمام، تقول أن الضوء يدخل من الفتحة الصغيرة ويتجسد على آخر المربع مقلوبًا، قالت أن الكاميرا تعمل بنفس النظرية، يوضع الفيلم لتتجسد عليه الصورة المقلوبة، وأخرجت أبلة “ثريا” من حقيبتها كاميرا، كانت من النوع الحديث وقتها، من ذلك النوع الذي يخرج الصورة فورًا بدون تحميض، كان يأتي بها المدرسون المُعارون للخارج وخاصةً السعودية، بمرجد أن تلتقط الصورة حتى تبدأ الكاميرا في إخراج الصورة، لحظات وتظهر عليها ما صور.

فرحنا كأطفال بمنظر الكاميرا، وأبلة “ثريا” تشرح عمليًا كيفيه عمل الكاميرا، كنا ننظر للكاميرا مذهولين، أبي يمتلك واحدة، ولكنها من نوع آخر، ذلك النوع الذي تضع فيه فيلمًا أربع وعشرين صورة، تلتقط واحدة ثم تنتظر قليلا حتى يتم شحن الفلاش، كاميرا أبلة “ثريا” من النوع المتطور، الفلاش يشحن أسرع.

كنت أجلس في الصف الأول، بجواري طالبين، فجأة ضغطت أبلة “ثريا” على زر الكاميرا، التقطت لنا صورة، هللنا فرحًا ونحن نجد بطن الكاميرا يتمخض عن قطعة ورق مقوى مغلفة بالبلاستيك، خرجت الورقة لتعلق في مقدمة الكاميرا، سحبتها أبلة “ثريا” بزهو، نظرت فيها قليلا، كان من الواضح أنها تنتظر ظهور ثلاثتنا، وتغيرت ملامحها.

كانت ملامح أبلة “ثريا” عجيبة، تراوحت بين الدهشة والخوف، أخذت تجيل بصرها بين الصورة وبيننا نحن الثلاثة، وقفت قليلا شاردة، عادت بظهرها ناحية السبورة، ثم نادت أحد التلاميذ، قالت بصوت خفيض سمعته وسط همس الفصل، “مين دا” كانت تقولها للطفل بدهشة ممتزجة برعب حقيقي، وقف الطفل كثيرًا أمام الصورة، ينظر لثلاثتنا ويعود بصره للصورة مرة أخرى، قال “مش عارف”..

دق جرس الفسحة، خرجنا جميعًا نجري، لحقت بنا أبلة “ثريا”، كانت تهرول بدورها بشكل غريب، لم نر الصورة بالرغم من الحاحنا عليها أن نرى أنفسنا، هرولت مع جرس الفسحة وكأنها تفر من مكان مُرعب.

مرت السنوات، أكثر من ثلاثين عامًا، لم أعرف حتى هذه اللحظة ما الذي أخاف أبلة “ثريا” لهذا الحد، ترفض كلما سألناها عن الصورة أن تُرينا إياها، لا أعرف السبب الذي جعلني أتذكرها وأتذكر أبله “ثريا”، وقصة الصورة، كل ما أذكره أن أمي كانت ترمقني بخوف، تضع يدها على رأسي وتحوقل وتبسمل، ما الذي كان في الصورة يا أبلة “ثريا”؟.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى