مقالات

أدهم العبودي يكتب: فشخوني يا مولانا

بقلم: أدهم العبودي

أدهم العبودي.

هَبْ أنّ طفلًا مُسلمًا يُشنق في “سورية”، في “فلسطين”، أو في “بورما”، وكان ينظر للسّماء مبتسمًا، إذ بالطّبع لا يفهم الأطفال مكر الأنظمة، فهؤلاء يستدفئون بالأمل والبراءة، هب أنّه ظلّ ينظر للسّماء في انتظار العدالة، كيف يكون تصوّرنا عن آخر مشهد قد تقع عليه عيناه وهو ينتظر العدالة المزعومة؟
أتخيّل أنّ هذا الطّفل ستتمثّل له العدالة في ثوب رجلٍ تقيّ يرفل في لحية طويلة وعلى رأسِه عمامة كبيرة.
أجل؛ هذه هي الصّورة التي تصنعها مجتمعاتنا الإسلامية عن العدالة، العدالة= شيخ بلحية.
تربيّنا على أنّ الإسلام لا يُمكن أن يكتمل إلّا بإيماننا –القطعي- بهؤلاء، الإيمان بأنّهم جنود الله على هذه الأرض، ومن هنا انطلقوا، وانطلق الإرهاب الذي ينبغي أن نحاربه، من هنا يداعبون عقول الأطفال الصّغار، في كلّ بلدان الوطن العربي، يجنّدوهم، ويستقطبونهم كي يصبح هؤلاء الأطفال الصّغار –فيما بعد- صبيانًا يحملون فوق أكتافهم البنادق، أجل تربيّنا على العنصرية، والتي ليست بالضرورة عنصرية دين أو عقيدة، بقدر ما هي عنصرية نشأة، وتفكير، وتعليم، بل كلّ شيء يتربّص بعقل الطّفل منذ يُولد وإلى أن يموت كهلًا، العنصرية عنصرية الفرض لا عنصرية الاختيار، العنصرية في بطاقات الهوية، في المدارس، في المساجد، في القبيلة، في القرية والمدينة، العنصرية في بيت كلّ فرد في هذا المجتمع، ثمّ لا يتبقّى ما يُمكن أن يدعمنا في تجديد الخطاب الدّيني، تربيّنا في كتاتيب السّادة الأزهريين، الذين يؤمنون بالسّلف أكثر ممّا يبذرون بشائر الأمل في صدور الخلف، يُجبلوننا على أن نرى المسيحي “كافرًا” لمجرّد أنّه مُختلف في العقيدة، الأمر الذي ترعرع ووجد تربته الخصبة ليتوغّل في حشايا الوطن؛ “التكفير” العلني، “المسيحي” الذي لا يؤمن بإسلامي كافر، بل إنّ “المسلم” العلماني كافر، و”المسلم” الذي لا يدين لجماعتي كافر، ثمّ ما أكثر الجماعات التي لا ولاية لأحد فيها إلّا على عضو الجماعة، ولا انتماء إلّا لها، وهكذا، صرنا نتسلسل تباعًا في عقبات الأفكار “التكفيرية”، فكرة بعد أخرى، ثمّ لمّا يشنقوا أطفالنا المسلمين في أرجاء الوطن العربي، نخرس، ولا كأنّ شيئًا يجري هناك.
مؤدَى الأمر، إلى أنّ التعليم الصحيح يُمكن أن يخرج بنا من عنق الزجاجة، التعليم الذي يربّي ثقافة الوعي والاختيار والضمير، وقد كنّا بالفعل في حاجةٍ ماسّة وملحّة لأكشاك الثّقافة في محطّات “المترو”، بديلة عن أكشاك “الفتوى” مدفوعة الأجر، التي ستؤخّرنا سنواتٍ وسنواتٍ عن مواجهة الإرهاب الحقيقي؛ إرهاب الفِكر، لأنّ إرهاب الفِكر لا نستطيع محاربته –بل والقضاء عليه- إلّا عبر الثّقافة، لا أكشاك “الفتوى”، ما الذي سأحتاجه من كشك “فتوى”؟ ما الذي يُمكن أن يقدّمه إليّ شيخٌ أزهري صغير السّن حديث التخرّج وأساتذته يطلّون عليّ يوميًا وعبر شاشات الفضائيات بفتاوى متهرّئة أبعد ما تكون عن المنطق والعقل؟ هؤلاء تكاثروا وتكاثروا حتّى كادوا يخنقوننا، كلّ يومٍ بفتوى جديدة، وكلّ يومٍ بحالٍ جديد، هؤلاء استمسكوا وتكالبوا في استمساكهم بالسّلف، دونما تجديد، التجديد إذًا لن يأتي إلّا من خلال الثّقافة.
علينا أن نعوّل كثيرًا الفترة المُقبلة على الثّقافة، بكلّ ما لها، وما عليها، وعلى المثّقفين أن يتّحدوا، ويطالبوا الدّولة –التي تودّ تجديد الخطاب الدّيني- بأن تستبدل أكشاك “الفتوى” فورًا بأكشاك “الثّقافة”، لأنّ الحل في الثّقافة، والأمل في الثّقافة، والمستقبل في الثّقافة.
وأقول لإخوتي مشايخ الأزهر: كفاكم بالله “فشخًا” في عقولنا، بالله عاودوا تنقيح عقولكم، واذهبوا لتُفرغوا هُراء تفكيركم بعيدًا عنّا، ألا سامحكم الله، فالطّفل الذي سيُشنق في “فلسطين” أو “سورية” سيُشنق بسببكم، وستكتّفون أياديكم فُرجة عليه، وليس له من ذنبٍ إلّا أنّه نشأ بين فتاواكم، وآرائكم، ولتعلموا أنّه يوم يُشنق، سوف يُشنق “مفشوخًا” من كثرة ما تآكل عقله وتآكلت عقيدته، وأنتم السبب.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى