مقالات

أكرم إمام يكتب: رحلة ابن فطومة.. دليل نجيب محفوظ إلى جيلنا الحائر

بقلم: أكرم إمام

Akram

إلي السيد/ نجيب محفوظ،،
ربما نحن جيل مظلوم، أو ظالم. الأكيد أننا خرجنا للدنيا بلا هوية واضحة. السوق يمتليء بالأفكار والمعتقدات الاجتماعية والسياسية.

جيلنا يبدو كمن دخل سوق تجاري ضخم لأول مرة. يجن جنونه ويقفز.. يجري نحو سلعة رائجة، يحتضنها ويقبلها، ويُعلن أنها ما كان يبحث عنه. يدير عيناه للحظة، ليرى نظيرتها.. يُلقى ما كان بيده؛ ليلحق بالبضاعة الجديدة.. ولكن لا.. مكبرات الصوت في السوق التجاري، يُعلنون فيها عن بضاعة وصلت للتو. يظل هكذا في دائرة لا تنتهي، حتى يخرج مُنهك العقل والنفس، لاعنا كل البضائع والسلع، وخالي الوفاض حتى.

ولأنني أعرف يا سيد نجيب، أنك كانت لديك كرة سحرية ما، تُخبئها في مكان سري في دهليز أحد بيوت الجمالية القديمة، أو تُخبئها عند عم (على بحر) في قهوة على بابا، حيث كنت تجلس. الكرة السحرية التي تكشف المستقبل، وعرف أنت منها، أننا الجيل الذي سيحتاج دليلا في رحلة الوصول إلى الكمال. كتب لنا في بداية الثمانينات ما يُمكنك أن تسميه؛ دليلا لجيلنا الحائر، على شكل رواية اسميتها (رحلة ابن فطومة).

وكنا كلنا “قنديل” أو ابن فطومة.. الذي يضجر من دار الاسلام –وطنه- ولسانه يسأل: “اذا كان الإسلام كما تقول؛ فلماذا تزدحم الطرقات بالفقراء والجهلاء؟”. فيرحل تاركا كل شيء خلفه؛ بحثًا عن الكمال في رحلات تأخذ منه عمره وماله وصحته. وهو ما حذرتنا منه أنت أيضا قبل أن نبدأ رحلتنا!

حين يذهب “قنديل” الى دار المشرق، والتي تمثل الوثنية وبدائية الحياة، حيث يغيب العقل ويحضر الخوف، وتتحكم الأوهام والخرافات في الناس. فرأيتك تضرب واقعنا على مؤخرته، حين حاول قنديل نقد هذا العالم الوثني: “الحق أني لم أتماد في نقد مظاهر البؤس في هذا البلد الوثني، الذي قد يكون له من وثنيته عذر، ولكن أي عذر أعتذر به عن أمثال هذه المظاهر في بلدي الإسلامي؟”.

صحبت جيلنا مع قنديل إلى دار الحيرة، أو ما يمثل المجتمع ذو الفكر السلطوي، حيث الكل عبيد لدى الملك. فكرة العبودية من أجل الأمان. فكرة أن يُطوّع الحاكم الدين من أجله. ثم تزداد الرحلة إثارة حين نصل الى دار الحلبة، نتجول مع قنديل وكأننا في أوروبا أو أمريكا، حيث الحريات والليبرالية. ويسأل ابن فطومة عن هذه الحرية التي تشبه الفوضى!. فيجيبوه؛ بأنها تبدو كذلك لمن لم يتعامل مع الحرية. فيتعجب؛ الحرية جالبة للخلافات!. فيجيبوه؛ لا دواء الا المزيد من الحرية.

وفي المحطة قبل الأخيرة في دار الأمان، الإشتراكية بكل ما تحمله الكلمة. حيث لا مكان للعواطف. العمل ولا شيء غيره. حيث تطحن اللآلات كل شيء حتى البشر الذين يبدون كنسخة واحدة متطابقة. فيقول لهم قنديل: لا شيء يعوض عن حنان الوالدين، فيقولون له: هذه حكم وأمثال لم يعد لها معنى في دار الأمان.

الرحلة تكاد تنتهي حين نصل إلى دار الغروب، هذا العالم الصوفي الروحاني، الذي يجذبك إليه في النهاية حين يُنهكك البحث. كيف تعرف يا سيد نجيب أننا نصل إلى هذه النقطة!.. ما نشعر به حين نكل ونفقد الإيمان بكل ما فات. نستسلم للروحانيات بحثًا عن سلام داخلي. ولكن هذا ليس كل شيء.. ليس هذا هو الكمال، والذي يبقى البحث عنه مستمرًا.

وتُسّلم لنا رسالتك في الأخير.. نهاية مفتوحة تتركها لمن يهتم وقرأ. فالكمال الذي يبحث عنه قنديل والمتمثل في دار الجبل الاسطورية. قد تكون هي الجنة.. قد تكون هي الأحلام.. أو حتى تقبع فقط في خيالنا.. أو قد يختار القاريء واحدة من البلاد التي تركها قنديل، ليبقى هناك!.

(رحلة ابن فطومة) والتي تجوب بجيلنا في رحلة ما بين المكان والزمان نفسه.. من بدائية الإنسان إلى عصر الحداثة، لا تزال تحتل صدارة قائمة ترشيحاتي لمن يسأل عنك. لا يمكنك أن تجد ملخصا إسقاطيا بسيطا لأغلب المدارس الفكرية والإجتماعية السائدة منذ قديم الأزل، في رواية لا تزيد عن 130 صفحة إلا معك يا نجيب. فسلام لك.. ودليلك لهذا الجيل باق.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى