مقالات

إيهاب نجدت يكتب: إلي نجيب.. رسالة مسجلة بعلم الوصول

بقلم: إيهاب نجدت

عزيزى محفوظ، أتمنى أن تكون بخير حيث أنت. هذه رسالة مسجلة. على الإعتراف بأن سطوتك المعنوية لا تزال تلاحق أجيال بأكملها.
الآن، و بعد أن تخلصت من هذه الجملة التى كانت تسد حلقى كإسفنجة مليئة بالخل، و رغم كونها كليشيه للغاية، إلا أنها حقيقية. لقد أحببت حكاياتك و قدرتك الفريدة على تحويل حارة صغيرة، أو زقاق اكثر صغراً إلى عالم بأكمله، حيوات أناس نراهم، و نعرفهم بل و نقابلهم كل يوم. حسناً بالنسبة للجملة الأخير فهى ليست صادقة كل الصدق، فجنوبى مثلى من سيناء، لم يقابل شخصياتك بالتأكيد، إلا أننى فتنت بهم، بالقاهرة التى كتبت عنها و ارتبطت فى ذهنى دوما بالفاطميين، أسرة أهملها التاريخ و أجهض وجودها المناوئين قديما وحديثا. حين كنت طفلا صغيرا، وكأى بيت مصرى عادى، كان لدينا طقم فناجين للقهوة بصورة لطيفة لروميو و جولييت على أطباقه الصغيرة، هذا ما فعلته أنت بالضبط، لقد خلقت نموذجا و فكرة، ترسخت طويلا و ظلت تلاحقنى حتى فى جامعة برشلونة، حين دار نقاش جانبى مع صديقة حول السيد أحمد عبد الجواد، ذلك الخليط العجيب من الشهامة و العنف، من التدين و المجون. لكن هذه الشخصية على ما تحتويه من غنى و تعقد، طاردت أجيال بأكلمها لا لشىء إلا لكونهم مصريين، و ربما قد ألقى اللوم بأريحية على المستعربين الذين زادوا و أفاضوا فى النموذج و الحالة، حتى أصبح كل واحد منا، أحمد عبد الجواد صغير، يتحين الفرصة لللإقتناص و الظهور. أستطيع تفهم حبه للجمال، و تقديره للنساء فى المطلق، لنكن صرحاء، كلنا هذا الرجل بشكل أو بآخر، لكن أكان لابد يا عم نجيب أن يكون بهذا الصدق وتلك الواقعية ؟ ها، هل كان من الضرورى عليك فضحنا جميعا بل و ترك ما يشبه الدليل الغير موثق عن رجالات مصر ؟
هنا تكمن البراعة الحقيقية رغم ذلك، كثيرة هى كتب التاريخ التى تحدثنا عن الحكام والسلاطين، كيف عاشوا وماذا كانوا يتناولون على الفطور، بل وكم بطة اصطادوا فى رحلاتهم الترفيهية، لكننا لا نملك دليلا حيا وملموسا عن حياة الناس العاديين فى أزقة القاهرة القديمة وحواريها سوى حكاياتك، سوى الشخوص الذين نسجتهم لنا، لنرى ونسمع، وأحيانا نشارك معهم.
رواية كزقاق المدق، كانت من رواياتى المفضلة فترة المراهقة، ربما لأننى أحببت حميدة، وتخيلتها كثيرا، حتى نافست فتاة أحلامى حينئذا الفاتنة هند رستم. كنت أضحك مع نكات الجالسين على المقهى وذلك التعليق الإنجليزى الذى يأتى فى الخلفية لشخصية يبدو أنها مضحكة. اعذرنى إن لم أتذكر الأسماء لبعد المسافة الزمنية حين قرأتها، لكنها هناك أشياء بسيطة تعلق بذهننا من كتب بعينها، لا يمكننا نسيانها أو حتى اهمالها، منها حوار مضحك.

أكتب إليك الآن من نويبع، مستمعاً إلى ترانيم فرعونية الموسيقى وهيروغليفية الكلمات، يغنيها فريق أجنبى، ولأن الشىء بالشىء يذكر، فلدى هنا عتب عليك يا زميلى، فرواياتك الأولى عن الفراعنة بطابعها العسكرى أو الملحمى دعنا نقول، لم تمنح الكثير من التفاؤل لكاتب شاب مثلى يبحث عن تفاصيل صغيرة متخيلة يمكنه صنعها عن حياة أجدادنا العظام، ألتمس لك العذر بالطبع، و ممنونين على الريادة بكل تاكيد، حتى نتقى شر غضبة حرافيشك الكرام.
دعنى أخبرك بأننى وقعت فى غرام ملحمة الحرافيش عن حق وحقيقة، أحيانا كثيرة يراودنى خيال جامح فيما سيكون موقفك أو حتى تصرفك حيال هذا الحدث أو ذاك، تلك الأشياء السريعة والمتلاحقة بل والمجنونة معظم الوقت والتى تملىء تفاصيل يومنا الذى أجرؤ على تسميته بالعادى. أظن – وبعض الظن إثم – أنك ستستمر فى كتباتك مفضلا الإبتعاد عن الصخب و الكلام الكثير. حسنا، أنا أتبنى نفس وجهة النظر حقيقة، الإخلاص المطلوب والوحيد هو للكتابة، والكتابة فقط. هذا ما فعلته أنت دوما، وهذه وصية أحسبها خالدة، لكل أولئك الذين يكتبون تحت الشمس.
والآن أتركك فى سلام وسكينة، كما أتيتك، ولا أكثر من امتنانى وحبى العميقين، لشخصك يا عزيزى محفوظ.
المخلص للأبد.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى