مقالات

بسمة الخولي تكتب: يا «إدريس» إقرأ

بقلم: بسمة الخولي

بسمة الخولي

ما أعرفنا بالحكايات يا رفيقي؛ إن كانت آفة بعضنا النسيان، فتعال نحكي لنُذكرهم ونتذكر، حكاية بدأت من هنا، على هذا الكرسي الخشبي أمام قهوة “المعلم كرشة”، حيث نجلس الآن، في زمن آخر كانت ترانيم أم كلثوم تأتي من جوف راديو داخل القهوة، أيامها جلس الشباب والشيب يتبادلون الأحاديث والشاي، ضحكاتهم صاحبتها قرقعة أحجار الطاولة، هناك في الأعلى، تربعت النسوة خلف النوافذ يراقبن، واحدة تتحدث والاخرى تجدل ضفائرها ، كانت الحياة في أوج طبيعتها حين جلس “نجيب محفوظ” بين أوراقه وأقلامه يكتب مخطوطة حملت إسم “زقاق المدق”، وعندما رحل أخيرًا كان يدرك أن “زقاق المدق” قَد صار خالدًا.
الخلود لا يستحقه إلا مَن يُنشده مخلصًا، ونجيب محفوظ بالتأكيد إستحقه حين ترك لنا تراث كامل من الحكايات و الشخصيات التي لا يشبه أحدها الآخر؛ في رواية “زقاق المدق” بحثنا معه عن الإنتماء و الأمل، إستطاع تصوير حياة الحارة بفرحها و حزنها، فسمعنا كل همسة دارت خلف النوافذ المغلقة وتنفسنا رائحة الخبز الطازج، الحنة، و التوابل، ثم زكى أنٌوفنا بنسيم البحر حين حملنا إلى الإسكندرية في رائعة “ميرامار”، بكينا وصِحنا في الملحمة الإنسانية داخل صفحات رواية “السراب”، ثم رأينا ما رآه الأولين وعشنا التساؤلات في “أولاد حارتنا”.
أرأيت يا رفيقي كم كان نجيب محفوظ صادقًا حين قال: “ما البيت ببناء وعمارة وهندسة، ولكنه برج ثابت فى الزمان يأوى إليه حمام الذكريات؟!”، جيلنا نشأ بين أحضان روايات عرضت لنا حياة البزخ و الفقر، الحب والسعادة، الكراهية والأحقاد، مِن القاهرة للإسكندرية للصعيد، زمن الطربوش، الجِلباب، الصالون المذهب، الـــ”قُلة”، الفساتين و الـ”ملاية اللف”، جروبي وقهوة المعلم كرشة، تراث كامل من معانٍ وكلمات شكلت شخصياتنا الآن.
“إدريس”، يا رفيقي القادم من جحيم رواية “أولاد حارتنا”، هل تَذكر كيف طُردت من بيت الجبلاوي؟، حينها نظر إليك البعض بعين الشفقة وآخرين شمتوا فيك، لكنك إستطعت تجسيد الساقط من الرحمة، حَمَّلك “نجيب محفوظ” مسؤولية نقل الصراع الذي دار بالأعلى إلى هنا، بين الأوقاف، وقد أجدت تجسيد الشيطان في جسد بشري، أتعرف لِم؟، لأن هبة نجيب محفوظ كانت قدرته على تصوير “حياة الحارة”، تحويل الأساطير والصراعات إلى “فتوات و بشوات”.
ظلت هذه بصمة نجيب محفوظ في كافة أعماله، بدلًا من الحديث عن ما لا نراه وتركه لخيالنا، حوَّل كل ما هو نفسي أو غير مادي إلى مادة، أشخاص وبيوت و صراعات أُسرية، المال أحيانًا عبر عن “الوسوسة”، نقاش القضايا الإجتماعية والسياسية بل ومعجزة الخلق تم على طاولة خشبية بين أحجار الدومينو وكوب الشاي الكشري، رُفع النبوت للإنتقام مِن “السرقة، الخيانة، الغش، بل وعصيان الخالق، النسيان، الحب”. بعالم نجيب محفوظ يصبح لكل شئ كتلة وحجم، ولحوار الذات الداخلية صوت وشارب أو ضفيرة.
معجزة الخلق يا “إدريس”، وهبها الله لنا، نحن أبناء آدم، منا مَن صنع العِلم، منا مَن إكتشف العالم، البعض قرر مداواة اجساد الناس، والبعض عالج عقولهم، منذ الصِغر أحببت طريق العقول، وبحثت عن إرشاد لأكُتب، لأصير فردًا في محفل الأدباء، والقراء، كثيرون أثروا على قلمي، و ” نجيب محفوظ ” كان أحدهم، هو مَن علمني كيف أصنع الأشخاص، وكيف أرسم الوجوه.
نجيب محفوظ يا إدريس هو مَن علمنا ألا ننسى، حتى وإن كانت آفة حارتنا النسان.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى