مقالات

شيرين سامي: «عندما أكتب لا أعبأ بشئ»

بقلم: شيرين سامي

شيرين سامي

ذات صباح خريفي تعرّفت عليه، عندما إستلمت أسماء الأعمال الأدبية التي يتعين علي دراستها، وكان بينهم رواية عربية مترجمة تُدعى “زقاق المدق”، من هنا تمامًا بدأ السحر، قبلها كانت كل الأعمال الأدبية التي قرأتها روايات إنجليزية مختصرة مقررة في المدرسة بروح الغرب وأفكارهم، لكن لم أكن أعرف عن وجود هذا العالم الآسر الجامع للمتناقضات، ذو الروائح المصرية وعبق التاريخ، إلّا عندما قرأت لنجيب محفوظ وعرفت حميدة وعباس والمعلم كرشة.
وذات صباح صيفي رائق قررت أن أصبح جزء من عالمه، كان ذلك عندما تجولت بحثًا عنه بين أرفف مكتبة فوجدته ينتظرني، كنت قد عرفت عن نوبل فبدأت بالثلاثية التي قرأتها مرتين متتاليتين ثم تبعتها بمعظم أعماله، كفتاة مراهقة في التسعينات تفتقد اي فكرة عن مصر القديمة أسرتني أجواء الحارة والمشربيات والمقاهي والتكايا والفتوات، جذبتني حكايا مجتمع إندثر لم يبقى منه إلّا شوارع قديمة ومعمار بديع وتأريخ أدبي رائع بقلم عبقري، لولاه ما كنت عرفت شيئًا عن الماضي إلا من كُتب التاريخ المُملة.
وأصبح عم نجيب، عرّابي، هذا الرجل الذي ما تعلمت الكتابة إلا من خلاله وما تعلمت عشق التفاصيل إلا من بين كلماته وما فهمت معنى الواقعية إلا من بين جلدتي كتاب قرأته له، تتلمذت على يد مؤلفاتهوعرفت مصر الأحياء القديمة والحواري والبيوت والطبقات المختلفة والعادات العتيقة والأمثال الشعبية، عرفت كيف تكون العلاقات الإنسانية المتعددة دون أي تعقيدات وكأنه يجلس أمامي يتحدث بلسان رجل طاعن في السن يروي الحكايات لأحفاده أوامرأه ثرثارة بتجيب في سيرة الخلق أو شاب ثوري يذوب في عشق مصر أو فتاة فاتنة تروي الحكايات بإيماءتها من وراء مشربية أو برقع .
لم يتفلسف عليّ وأنا أقرأه ويعذبني بتقعر مفتعل، إنساب داخلي ببساطة يعلمني الدنيا ويصور لي البشر،كنت أُصدم بواقعيته كثيراً وأشعر أنه يبالغ فليس المجتمع بهذا السوء، لكن عندما نضجت سمعت ورأيت ما هو أسوء، وبرغم أن المدرسة الواقعية كانت على وشك الإندثار في أوروبا ليحل محلها تيار الوعي واللاوعي، إلّا أن نجيب محفوظ لم ينسق وراء ذلك وبقي على صدقه في كتاباته وغوصه في الأعماق بالطريقة التي تناسبه والتي جعلت منه نبراسًا للأُدباء من بعده.
الغريب أن روايات محفوظ تزداد سحرًا مع تكرار قراءتها، فتتكشف لك حقيقة مشروعه الأدبي وبحثه الدائم عن اجابات لأسئلة تؤرّق العقل الباطن، ما الله؟ ما الإنسان؟ ما الروح؟ ما المادة؟كانت هذه فلسفته الأدبية التي طرحها لنا بمنتهى الموضوعية من خلال أعمال أشبه بالأساطير وشخصيات أقرب للنماذج الحيّة، منحوتة بأذهان كل من قرأ بل ونميّز بعض الأنماط في الواقع بأسماءهم، عم نجيب هذا الرجل الذي يُحرّض على الخيال كان أبطاله بالفعل يعيشون بيننا أو فينا.
سمعت من يصفون أدبه بأنه يدعو للدعارة والمخدرات! لكن هل يخلو مجتمعنا من هذه الأعراض، هل إختلقها نجيب محفوظ، هل وافق عليها وأقرّ أنها الصواب أم أنه عرضها كما هي حتى يتنسى للقارئ أن يركب عربه الحنتور ويتجول بين الشوارع والمقاهي يسمع ويرى ويشاهد النهايات ثم يحدد وجهة نظرة وتعاطفه، غريب أن يُقدّر العالم أدب نجيب محفوظ ربما أكثر من مصر التي تزج بإسمه في الأغاني على أحسن تقدير.
الآن نحن نجدد التراث ونحتفي بالحُسين وشارع المُعز الفاطمي، نشرب العنّاب في المقاهي القديمة ونلتقط الصور (السلفي) في الأزّقة والشوارع، وروح عم نجيب تحاصرنا، وقلمه الذي أرّخ لنا ماضينا وأسقطه على حاضرنا، والخلود الذي صنعه للأماكن قبل أن يصنعه لنفسه، وسحر عالمه يحاوطنا، هكذا يكون الأديب، عم نجيب المبدع الإنطوائي، الذي عشق الوحدة وإلتزم البساطة، هذا الرجل الذي مشط الشوارع وجلس على المقاهى فكتب ثم رحل دون جلبة، تاركًا لنا حياة داخل الحياة.
“ليكن نجيب محفوظ قدوة لكل المخلصين لفنهم ممن لم ينبتوا بعد من تحت التراب. وليوقنوا كما أيقن الرجل أن قوى العالم أجمع لا يمكنها أن تقتل فناناً أصيلاً بالسلب أو الإيجاب. وأن نقاد العالم أجمع لا يستطيعون أن يخلقوا من العمالقه أقزام ولا من الأقزام عمالقه، وأن النصر فى النهاية للإخلاص والإصرار والثقه بالنفس واحترام الكلم” «نجيب سرور».

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى