مقالات

ضحى صلاح تكتب: عزيزي «الأب»

بقلم: ضحى صلاح

ضحى صلاح

أعلم جيدًا أنك التقيت الكثير من البشر.. ورُبما مقابلتنا الأولى لا تعني لك شيئًا.. لأنني وقتها كنت صغيرة للغاية. فتاة بضفيرة كبيرة تدرس بالمرحلة الإعدادية رواية تحت عنوان “كفاح شعب مصر”. وقتها لم يعنني الكاتب في شيء، “من يكون”؟ لا أهتم.. لكن الرواية بالنسبةِ لي لم تكن مجرد رواية دراسة.. رُبما رواية فتحت بابًا للقراءة.
بابًا لمعرفة المزيد عن ذلك العالم المختزل.. كطالبة فضولية بت أتسلل إلى المكتبة كلما سنحت الفرصة لألتقي بمحبوبتك “كفاح طيبة”.
اشترت الكثير من الكتب لك فيما بعد، لكني لم أقرأها قط! كنت أحتفظ بها.. أتركها لوقت ما أستطيع فيه استيعاب عالم “محفوظ”، استيعاب فلسفته.
ثم توقفت الصدفة عن جمعي بك أيها “الأب”، حتى مرحلة الدراسات العُليا. عندما درست “أولاد حارتنا”.. ولا أخفيك سرًا الرواية لا تستحق كل هذه الضجة.. البعض فقط يرغب في “جنازة ليشبع بها لطمًا”. أكانت السبب وراء “نوبل”؟ حقًا؟! أكان السبب كما يقال دائمًا أنك “دهست” المحظور أو المقدس؟
لكني لا أنكر شجاعتك حقًا أيها الأب.. أو “جنونك” أو “خللك النفسي” كعادة الأدباء.
لكن.. لكن هل كان حقًا عليك إخراج عيسى بهذا الشكل؟! “أقرب إلى الشواذ”! اللعنة لقد كان شخصيتي المفضلة بالرواية كلها.
أذكر أني حضرت إحدى الندوات عن علاقة الفن بالأدب، كان يحاضر بها الدكتور الشاعر “أحمد بلبولة”.. وقتها تحدث عن تطبيق أولاد حارتنا لمذهب التكعيبية الفني.. لم أكن أعلم وقتها أنك تمزج الفن والفلسفة والسياسة برواياتك.. هذا ما علمته وقت امتحانات الدراسات العُليا.. عندما جاء سؤال خاص بأولاد حارتنا، يطلب منا عرض المذهب الفني، والسياسي، والفلسفي المستخدم في الرواية.
لم يكن صعبًا عليّ تخمين أن المذهب الفلسفي هو “الوجودية” وأن المذهب السياسي هو “الاشتراكية”.. لكني لم أكن لأخمن استخدامك للمذهب التكعيبي لولا تلك المحاضرة. وأنك استخدمت شخصيات أو “قوالب” جاهزة وصببت عملك بها.
تلك المحاضرة أضافت عمقًا لم أعهده على أولاد حارتنا.. التي وإن كانت أكثر رواياتك شهرة فهي ليست بكل تأكيد ليست أفضل أعمالك.
أولاد حارتنا في نظر البعض ليست سوى “خرف”، لكني لا أعتقد أنها كذلك.. أو جزء مني يعتقد أنك حاولت افتعال ضجة ما، أنت ذلك الشخص المشاغب الذي “رمى المقدس بحجر”.
هل حقًا كنت تكتب بشكل مستمر؟ بشكل يومي؟
ألا تعتقد أن هذا الأمر قادر على تحويل العمل الفني من “إبداع وليد اللحظة” إلى “شيء روتيني ممل”؟
هل تحول الأمر معك إلى عمل يومي؟ أم أنك كنت تحب فعل هذا؟ هل للعمل الأدبي كل تلك الأهمية التي تجعلك على وشك فقدان حياتك؟
لقد كدت تقتل بسبب كتاباتك أليس كذلك؟ السؤال هو: أهذا حقًا يستحق؟
ككاتبة حديثة العهد بالكتابة ينتابني أحيانًا الشك.. هل أستطيع أنا أيضًا “رمي المقدس بحجر”؟ أم سأظل إلى الأدب أنتقد ما أنتقده داخلي فقط؟
أتعلم أنني أحسدك على قدرتك الكتابية؟ كنت أخشى دائمًا أن يتم وصفي بالـ”كاتب الملل”، أكثر ما أخشاه “الملل”.. أعترف أنني أجدك مملًا ببعض الأحيان، كما أنك لم تبرع بالقصة القصيرة.. رُبما هذا لأنني بدأت كقاصة ثم انتقلت إلى حقل الرواية.
لقد استمرت كتاباتك، واستمر إبداعك لكنك الآن تعيش حياة أخرى، هل كانت المحاولة في هذه الحياة تستحق حقًا؟.. هل ستظل كتبك خالدة فعلًا؟ هل ستتمكن الأوراق من تخليدك؟.. أنا لم أرغب بالخلود عندما كتبت، هل رغبت به أنت؟ عندما بدأت بالكتابة كتبت لأنني شعرت بالوحدة.. الكتابة كانت تخلصني من الوحدة.. وأنت؟ هل كتبت لأنك شعرت بالوحدة؟ هل شعرت بالوحدة لهذا اقتربت من المحظورات؟
لقد خلدت أعمالك.. لكنك كشخص لم تفعل، ولم يحفل أحدهم بمعاناتك، بسقطاتك، بشعورك بالألم.. كل ما يهتم به الناس الآن هو “ما تركته من كتب”.. “أنت ما تركته من تراث” والأمر مؤلم جدًا.. يقيني بأني “أنا أيضًا” لن يحفل أحدهم بي، سأكون مجرد اسمًا يزين أحد الكتب، أنتهي.. ورُبما تنتهي أعمالي معي، أو تنتهي قبل أن أفقد حياتي نفسها.. الأمر “مثير للرعب أيها الأب”.. مثير للرعب وأنا بحاجة إلى مساعدتك.
هناك الكثير من الأسئلة بداخلي، ككاتبة وددت لو سألتها لك، لكن الوقت لم يمنحني هذا.. لهذا أنا أرسل لك أسئلتي عبر السماء، لعلها تصل إليك.. لعلك تجيبها بشكل سري…
ملحوظة
هناك شيء ما داخلي يدين لك.

ملحوظة أخرى
كل عام وأنت “الأب”.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى