مقالات

منتصر أمين يكتب: سيدي النجيب ذو الحرف المحفوظ

بقلم: منتصر أمين

منتصر أمين

“فلننظر إلى واقعنا على ضوء ماضينا من ناحية، والتسليم بالحقائق البشرية من ناحية أخرى، فنجعل لنا طريقاً ممهداً خالياً من العقبات المفتعلة والرواسب الشمولية، من أجل ذلك أقول: إن الحل الأمثل هو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان”..
سيدي النجيب ذو الحرف المحفوظ..
لم أجد مفتتحاً لرسالتي خيراً من كلماتك الرائعة التي حُفرت في ذاكرتي ورسمت لي ملامح الدرب.. ولعلي لا أسعى لشرف أو مكانة إذا أدعيت تأثري الشديد بكل ما خطه قلمك الحكيم من كلمات خالدة سطرت بحروف من ذهب أضاءت لي الطريق وأرشدتني إلى جادة الصواب.. فالحق أن تلك هي الحقيقة ساطعة في أبهى صورها، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد وأعوذ بالمولى أن أكون من هؤلاء..
سيدي النجيب.. ربما لم تشأ الأقدار أن تكتب لي لقائك في الواقع لهدف تخفيه الحكمة العلية لكن ذلك لم يمنع شغفي الشديد وولعي البالغ بكل كتاباتك التي أفصحت عن رؤيتك ونظرتك للأمور..
كانت بداياتي معك بالمنع!!.. نعم سيدي لا تتعجب فقد كان والدي يرى أن عقلي الصغير في ذلك الوقت البعيد لم يكن مؤهلاً بعد لإستيعاب ما يخطه قلمك الكبير.. لا زلت أذكر حين إختلست مجموعتك القصصية “خمارة القط الأسود” من مكتبة والدي وإختبأت في غرفتي منكباً على صفحاتها ألتهمها إلتهاماً.. لا أعلم ما الذي جذبني لها على الوجه الدقة ربما هو العنوان اللافت المثير لصبي لم يتجاوز العاشرة من عمره بعد.. يومها غضب والدي بشدة لكنه لان وهدأ بمرور الوقت، وأيقن أن القراءة هي قدري الذي لا مهرب منه.. يومها أهداني ثلاثة من أعمالك الخالدة دفعة واحدة “عبث الأقدار، رادوبيس وكفاح طيبة”.. لا أستطيع أن أصف لك سيدي شعوري وإنفعالاتي وأنا ألتهم تلك الروايات الخالدة لكنني أترك لك تخيل ما قد يفعله قلمك الحصيف بعقل لم يتجاوز العشرة أعوام.. يومها رأيت شخوصك وأبطالك يتجسدون أمامي في واقع غرفتي الصغيرة.. مع قلمك رأيت الملك أحمس، خوفو الفرعون ورادوبيس الغانية اللعوب يخوضون رحلتهم العامرة بالأحداث والذاخرة بالخطوب.. شعرت بالخوف من الموت مع حديث خوفو، أحسست بالحماسة والغضب مع كلمات أحمس، خفق قلبي بالحب مع هيام رادوبيس بالفرعون الشاب.. رأيت بأم عيني مصر الفرعونية التي كنت أسمع دوماً أنها أم الدنيا.. أيقنت بعد إنتهائي من تلك الروايات أنها بالفعل كذلك..
سقطت منذ ذلك الوقت البعيد في شرك الإدمان.. أدمنت رائحة الحارات المصرية العتيقة.. حفظت أقوال عاشور الناجي عن ظهر قلب.. كرهت محجوب عبد الدايم وصار رمزاً للوصولية والإنتهازية.. أحببت هلوسة أنيس وثرثرته في عوامته على ضفاف النيل.. عايشت حميدة بكل تفصيلات حياتها في الزقاق.. أدمنت كتاباتك سيدي، وياليتني لم أفعل!!..
نعم سيدي النجيب فقد كان قلمك هو المانع الهائل والعائق الضخم الذي يحول بيني وبين كتابة كلماتي أنا.. لم أكن أتصور أن تواتيني الجرأة لأن أخط حروفاً أو أن أشكل حيوات بمثل تلك البراعة التي فعلت أنت بها.. إستغرقني التخلص من هذا الأمر سنوات طوال حتى تمكنت أخيراً من الكتابة..
مهما أخبرتك سيدي لن أتمكن من وصف شعوري حين أخبرني بعض القراء أنهم قد رأوا شخوصي وأبطالي أحياء يرزقون بينهم، يعايشون قصصهم ويتحركون معهم.. لمست يومها إحساس الطالب المُجد يوم إعلان نجاحه، شعرت بأنني تلميذٌ نجيب.. تلميذ “نجيب محفوظ”..
سيدي النجيب المحفوظ.. أنا على يقين من أنك الآن في عالم أفضل يخلو من الصراعات والأكاذيب، تتابع في صمت أبنائك وتلاميذك من الرواة والحكائين الجدد.. تدعو لهم بالنجاح والتوفيق آملاً في إستمرار نهر العطاء والإبداع..
وختاماً لا أجد أفضل من أن أقتبس كلماتك لأختم بها هذه الرسالة..
“بعد هذا التمهيد، فإنني أدعو كل قارئ لتأمل ما يحدث في مجتمعنا، وليحكم بنفسه، أهو مجتمع قانوني شرعي أم مجتمع إرهابي، وأظنك تتفق معي على أن أولى درجات الحضارة أن يتحول المجتمع من مجتمع يقوم على الغريزة والقوة إلى مجتمع يحيا في ظل القانون والشرعية، ليحقق الحرية والعدل”..

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى