التخطي إلى شريط الأدوات
إبداعروايةمشاركات أدبية

رواية «نهاية الأيام».. الحلقة الـ «2»

بقلم: أكرم إمام

رواية «نهاية الأيام»

«الحلقة الأولى»

 

«الحلقة الثانية»

“العريس يتصل”

(3)

أكرم إمام

المشهد الآن هكذا.. أمي فتحت باب الشقة، أحضرت كرسي خشبي من كراسي السفرة، وجلست على العتبة. نعم أنا لا أمزح. جلست هكذا تمسك بيديها مصحفا تقرأ فيه وترتعش.

ماذا رأت في المرحاض؟.. هي لا تريد أن تحكي. قالت نصا: “هذه أشياء لا يجب أن نتحدث فيها ليلا”.

أي أشياء يا حاجة؟. ثم أن العبارة تعني أنها ستخبرني في الصباح مثلا؟. بالطبع لا. هي تجلس تنتظر أبي الذي سيأتي ناجدًا، مع ضوء الشمس. الفضول يقتلني.. لا تريد أن تتحدث حتى إليّ.. لا تريد أن تقطع قراءتها للقرآن..هكذا تتظاهر. رحم الله أيام ما كانت تقطع صلاتها حتى لا يفور اللبن. بعد أن تفشل محاولات تحذيرنا بتكبيرات الصلاة.

أقول لها بتحد:

– حسنا سأذهب إلى المرحاض بنفسي لأرى.

ترفع رأسها لأول مرة.. ذات الوجه الممتقع بجزع:

– لن تفعلي!.

وبالطبع لن أفعل. فقد أريد فتح ثغرة لزلات اللسان. تركتها عائدة إلى داخل الشقة.. مع صوت صراخها من الخارج:

– وحياة أبوكِ.. لا تفعلي.

عدت إليها:

– أمي.. كفي عن الصراخ أمام الشقة. يكفينا ما نحن فيه من فضائح.

تركتها ثانية عائدة إلى الحجرة. حقيبة ملابسي التي أفرغتها منذ 3 أيام قبل العرس، تعود الآن كما كانت. تبتلع الرصات التي لم تُفك من قمصان نوم وعبايات جديدة. خسارة تعب الرص والترتيب!.

مسست ملابسه.. كان هنا حلمًا أن أغسلها بيدي. جلباب أبيض لم يُصلّ به الجمعة بعد. أقمصة شبابية.. ما هذا.. “تي شيرت” طُبع عليه “سبونش بوب”؟!!. هذا الشاب يحمل طابعا مرحا. لمَ لم يرتديه وهو يجري الان بنصف أسفل عاري؟.. حتما سيكون هذا مشهد خارق!.

الحقيبة جاهزة.

جررتها جرًا إلى العتبة حيث تجلس. هي تعرف أنني لن أذهب للمرحاض. هي تعرف أنني أكثر جبنًا من هذا.

– سأغلق الغاز، وآتي لنغادر.

***

أنت لا تريد أن تحضر جنازة أمك.. لا تحتمل؟ أنت لا تريد أن تحضر مراسم طلاق أخيك؟ أو حتى لا تريد أن تقف أمام أستاذ المادة في امتحانها الشفوي؟. هذه رفاهية. هي أشياء يجب أن تفعلها لتسير الدنيا.. هي أشياء يجب أن تتم.

أقف أمام باب المرحاض. ثانية أخري وسأعدو هربا. أدفع الباب برفق.. أخشى أن تسمعه أمي أكثر من أي شيء. شيء؟.. لا شيء هنا. المرحاض كما هو.. كما تركته آخر مرة عند اكتشاف واقعة الهرب. ما الذي أفزع أمي؟، لن أقبل بأقل من تنين أو غولة جعلتها تعلن هزيمتا لأجل الشقة. أعرف الان أن الاعصاب الملتهبة تعود كبطل للأحداث بلا منازع.

– “فريدة”.

من جديد. أقسم أنه هو. الصوت أوضح.. الصوت لا تخطئه.

– أأنت؟.

– “أغلقي الباب”.

الاحشاء تتقلص.. من أين يأتي صوته!.. من عقلي الذي جُنّ؟.

هذه ليست مكالمة هاتفية مع زعيم عصابة، يخبرك عما تفعله لأجل تسليم البضاعة على الصحراوي. لقد حُكم عليّ بالضياع بعد فضيحة. فلن يضيرك غلق باب لو أن هذا فيه الخلاص. أن تعرف ما يدور.

أُغلقه..

– “والنور”.

تمزح؟. “سبونج بوب” على إحدى قمصانك يعني أنك قابل للمزاح، إن كان بالأمر خدعة مُعّدة لبرنامج تليفزيوني سخيف لموسم رمضان، قسمًا لطلبت منك الطلاق، وعلى الهواء.

الظلام الآن.. اغمضت العين. إن الرعب يقتل.

– “عيناك يا فريدة”.

الظلام لم يكن كما تخيلت.. ليس كاحلا. لمَ؟.. الحائط الأمامي للمرحاض كان يتلون، أو قل تُحفر عليه حروف. أراها تُكتب الان وكأن الضوء يتحرك. كأفعى تسير على حائط أرى الرموز تتكون. مبهوتة تسمرت.. هذا أروع ما رأيت بحاتي. أحرف رسمت بلون براق.

II-VII-I-III -*-V- α- λ- ι

لدقيقة أعدت قراءة الحروف لمرات. ما هذا بالضبط؟. كانت الأحرف تخبو في سرعة.

أكان يجب أن أدون هذا؟.

شعرت بشيء من خلفي. التفت للجدار.. رأيت طيفا بدا باهتا على الحائط، رأيته على ضوء الأحرف التي تكاد تنطفئ. رأيت الطيف ينسحب لعمق الحائط.. يخبو هو مع انقضاء النور. حتى عاد الظلام.

الطرق على باب المرحاض يبدو كألف قنبلة في عقلك. كان أبي، يبدو متوترا للغاية:

– فريدة.. ماذا تفعلين في المرحاض؟. أمك تكاد تقتل نفسها على باب الشقة.

افتح الباب.

– ما هذا يا بنتي!. لا إله الا الله.. ماذا تفعلين بالمرحاض والنور مغلق؟.

رأيت وجهه قليل النوم. ما أن رأى وجهي قال:

– ثم ما هذا الذي تتحدث عنه أمك!. أي شيء هذا الذي رأته بالمرحاض؟.

– لن أغادر معكم يا أبي. سأبقى.

***

(4)

لن أحكى كثيرا عن نواح أمي. غادرت هي وأبي بعد ساعة من الجدال. أبي جلس وقتها يضرب كفا بكف وينعت امي بالخبال. لم تغادر الا بعد أن وعدتها بأن اتصل كل ساعة.

الحقيبة تركتها كما هي بجانب باب الشقة.. جاهزة لأي لحظة فرار حين تسوء الأمور وتخرج عن أحرف ترسم على حائط. ثم أن نور صباح يوم جديد يُعطي شجاعة.

قلم وورقة بسرعة.. أين القلم والورقة؟.. الاحرف تهرب من الذاكرة. ورق أبيض تركته لي أمي بالمطبخ لتجفيف زيت المقليات.. كان هذا سهلا.

علقت الورقة على مرآة حجرة النوم. هذه أحرف بلغة قديمة لا شك. إغريقية؟ لا أجد ثعبانا ولا عينا. هندية؟ “عبد المنعم” لم يكن مولعا بها على ما أظن!. على الرغم من أن ما يفعله يبدو هنديا.

النصف الأول من العبارة يبدو مختلفا عن الجزء الثاني. فصلت الجزأين. نحن الان نتقدم. وساعة الحائط تتقدم.. تضرب برنينها في الحجرة.. كانت الثامنة بالتحديد.. ثم أن أرقام الساعة تبدو مثل أرقام العبارة…. هي أرقام مثلها إذا. ياللجهل!.

كانت الثانية عشرة ظهرا، حين ردت “وفاء” على هاتفها أخيرا. زميلة جامعة سابقة، لا أعرف أين ذهب بها الحال بعد 4 سنوات من التخرج. الفتاة بقسم الحضارة الاوروبية لا تستيقظ قبل العصر. هكذا قالت، اصطنعت الدهشة حين اخبرتها بأمر الزفاف الذي تم. الفتاة الماكرة تعرف. هي تبيت على الفيسبوك كحارس عقار يعمل كرادار. تجاوزت النقطة، قائلة لها:

– إذا أنا افهم أن النصف الاول أرقام.. النصف الثاني حروف لا أعرف كيف اصفها.

– كبيرة أم صغيرة؟.

– يعتمد على حجم الخط!.

– تمزحين؟.

قلت لها بفراغ صبر:

– لا أعرف يا “وفاء”.. أنا التي تسأل.

– حاولي وصف شكل الحروف اذا.

امسكت بالورقة بيد مرتعشة.. أن تعرف سر حروف معقدة رسمت على حائط مرحاض، من شيء تجهل ماهيته، لهو أمر جدير بالارتعاش.

– ثلاثة حروف هي. الأول يشبه حرف a بالانجليزية.

– مممممممممم.

– الحرف الثاني كأنه حرف y سقط على رأسه.

– مممممم هذه L…

صمتت لثواني وعادت لتقول فجأة:

– أو u.

ليس وقت تقمص دور عبلة كامل وهي تقرأ لرفاقها الورقة، وددت أن اقول عن “بس وتس” التي حصلنا عليها. ابتلعت التعليق. وانا أكمل:

– الثالث.. يبدو كحرف i.

– ممممم نعم نعم هذه سهلة.

قفزت من الموضوع فجأة كأنه انتهى، وهي تتسأل بمكر:

– اين زوجك؟.

– ليس هنا.

– ليس هنا في الصباحية؟!. لا صحيح أين هو؟.

– في المرحاض يا “وفاء”.

– مممممممم آه يا خبيثة. تقضين وقتك في حل الكلمات المتقاطعة باليونانية حتي يستحم.

– آه.

– بالمناسبة.. الكوافير الذي قمتي باختياره غالي الثمن، اعرف آخر جعل من “راندا” فاتنة.. ثم أن الـ….

يالها من ماكرة.. وتقول: “لا تعرف بأمر الزفاف”، الفتاة كانت تبيت على صفحتي ليلة أمس!.

أرقام واسم الان. الارقام تبدو كرقم هاتف مبتور. حذفت منه أكواد الاتصال الاولى. امري الي الله.

اعدت الاتصال بها:

– لم يخرج بعد؟.

– من ؟.

– زوجك يا بنتي!.

– ربنا كبير. قولي لي.. الصفر في اليونانية هذه ما رمزه؟. لم أجده في الساعة بطبيعة الحال.

غابت لثواني، حتى ردت:

– الصفر؟!!.. والله نسيت يا بنتي. لم ألمح الصفر يوما. يبدو أنهم قد نسوه في اليونانية، أو ألغوه من المقرر.

حسبنا الله ونعم الوكيل.. وأغلقت الخط.

إذا لا يوجد صفر. لهذا لم يُرسم مع الحروف. ماذا عن النجمة في الوسط؟. فكرت في أن أهاتفها للمرة الثالثة. ولكني فضلت أن تبقى صداقتنا. حين تسألني عن “نونو” في الطريق هذه المرة!.

اسم ورقم هاتف. ماذا ستفعل؟ ستتصل طبعا. بدأت بالاكواد التي تحمل أكبر قدر من الاصفار المحذوفة. حتي وصلت للنجمة. أهي صفر آخر. فلنفعل هذا.

– أستاذ علي؟.

– اهلا وسهلا.

– لا اعرف من أين أبدا.

***

الحلقة الأولى 

 

الوسوم
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق