إبداعترجمةشِعر

«مختارات».. إسماعيل كداريه

مختارات 

إسماعيل كداريه

ترجمة: ياسر شعبان

ياسر شعبان

 

 

 

 

 

الشعر

كيف وجدت طريقك إليَ؟

والدتي لا تجيد الألبانية

تكتب الخطابات دون فواصل أو نقاط،

ووالدي جاب البحار في شبابه،

لكنك جئت،

عبر رصيف مدينتي الهادئة الحجرية،

وطرقت برفق باب بيتي المكون من ثلاث طوابق،

رقم 16.

في حياتي

هناك العديد من الأشياء

أحببت بعضها

و كرهت البعض الآخر

لكن على أية حال؛

مثل شاب يعود للبيت في ساعة متأخرة مِن الليل،

منهكًا ومهزومًا بعد جولاته الليلية،

ها أنا عائد إليك كذلك،

مرهقًا بعد رحلة هروب أخرى.

وأنتَ، لا تؤاخذني على خيانتي،

تُمسد  شعري برفق،

محطتي الأخيرة، الشعر.

 

الطفولة

أصابع الطفولة الملطخة بالحبر،

أجراس الصباح،

المؤذن في الغسق،

صناديق السيجار والطوابع القديمة،

مقايضة سيلون واحدة

باثنتين لوكسمبورج.

هكذا مضت،

أيام الطفولة،

تعقب كرة من الخِرَق،  إثارة الغبار والصرخات،

كرة من الخِرَق،

مصنوعة من خِرَق ألبانية رمادية.

الحنين إلى ألبانيا

ملأني الشوق إلى ألبانيا

الليلة وأنا عائد إلى المنزل في الحافلة،

دخان سيجارة البارتيزان في يد راكب روسي

أزرق متموج، يلتف إلى أعلى،

وكأنه يهمس لي، مواطن من نفس بلده،

باللغة الألبانية؛

اشتقت إلى تجول شوارع تيرانا مساءً

حيث اعتدت أن أتعرض للأذى،

وفي الشوارع التي لم أتعرض فيها للاذى

تعرفني هذه المداخل الخشبية القديمة،

لا تزال تحمل لي ضغينة

وسوف تزجرني،

لكنني لا أعبأ بذلك

لأنه يملأني الشوق؛

لجبال الألب الألبانية بشعرها الأبيض ولحيتها الرمادية

لليالي الناعمة التي تهتز في النسيم،

للغيوم، مثل الهنود الحمر، في جولاتها فوق الحقول،

للقاطرات والجياد،

التي تنفث وتلهث وتقطر عرقًا،

لشجر السرو، للقطعان والقبور..

ملأني الحنين.. ملأني الحنين

للألبان.

ملأني الشوق لأقوم برحلة سريعة هناك

أحلق فوق الغيوم وكأنني أحلق فوق الرغبات

كم بعيدة وعزيزة أنت يا بلادي

سوف يهتز المطار بأزيز الطائرات،

سوف يتدلى الضباب الرقيق مثيرًا فوق الشقوق

دون شك، هؤلاء الذين اخترعوا المحرك النفاث

لابد وأنهم كانوا بعيدين عن موطنهم.

وعندما ذاكرتي

وعندما تتوقف ذاكرتي الواهنة،

مثل ترام ما بعد منتصف الليل،

عند المحطات الرئيسة

لن أنساك.

سوف أذكر

ذلك المساء الهادئ الذي لا نهاية له في عينيك،

النشيج المخنوق على كتفي،

مثل الثلج الذي لا يمكن إزاحته.

 

حان وقت الانفصال

ورحلت، بعيدًا عنك،

لا شيء غير عادي،

لكن في ليلة ما

سوف تجد أنامل شخص ما طريقها في شعرك

أناملى البعيدة التي تمتد عبر الأميال.

الشلالات

تسقط الشلالات إلى أسفل

مثل جياد بيضاء مفعمة بالحيوية،

وأعرافها مغطاة بالزبد وقوس قزح،

لكن فجأة، على حافة الممر

تسقط على أرجلها الأمامية،

تنكسر أرجلها البيضاء،

وتموت على سفح الصخور

والآن في عينيها الميتتين

تنعكس السماء المتجمدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولد إسماعيل كاداريه في مدينة جيروكاسترا بجنوب ألبانيا عام 1936 (وهي مدينة أنور خوجا ديكتاتور ألبانيا). ودرس في جامعة تيرانا (عاصمة ألبانيا)، ثم سافر إلى موسكو ليدرس في معهد جوركي للأدب العالمي. وعندما عاد إلى بلده عام 1960 وجد أن خوجا قطع علاقاته مع موسكو وأقام حلفًا مع الصين البلد الشيوعي المناوئ عقائديًا للاتحاد السوفييتي في ذلك الحين. بدأ الكاتب الألباني عمله في ذلك الوقت صحفيًا، ونشر بعض أشعاره. ولكن ما كرسه كاتبًا وأطلق اسمه في الأدب الألباني كان عملًا روائيًا بعنوان “جنرال الجيش الميت” صدرت طبعته الأولى عام 1963، وجعله يتفرغ للكتابة في تلك الفترة. ثم تتابعت أعماله فيما بعد حيث أصدر: العرس (1968)، الحصن (1970)، مدينة الحجر (1971)، الشتاء العظيم (1977)، الجسر (1978)، نيسان المكسور (1978)، دورنتين (1980)، قصر الأحلام (1981)، الحفل الموسيقي (1988)، ربيع ألبانيا (1991)، الهرم (1991)، مرثية إلى كوسوفو (2000)، أزهار ربيعية، صقيع ربيعي (2002)، إضافة إلى أعمال أخرى عديدة بلغت في طبعتها الأخيرة بالألبانية والفرنسية تسعة مجلدات.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى