الرئيسية / مقالات / منتصر أمين يكتب: عندما يضرب الخمايسي الطبل

منتصر أمين يكتب: عندما يضرب الخمايسي الطبل

بقلم: منتصر أمين

منتصر أمين

كيف يكون حال البشر إذا علموا وقت وفاتهم؟!
من هذا التساؤل انطلق قلم أشرف الخمايسي يسرد في سلاسة كبيرة، يحكي قصصًا وحيوات لأناس عاشوا كامل أيامهم وهم يعلمون يوم رحيلهم!
في معظم الأعمال الأدبية تكون أحد شخصيات الرواية هي البطل أو المحور الرئيس، لكن في هذا العمل كانت الفكرة هي البطل بالإضافة لقلم الخمايسي المختلف بالطبع.
أشرف الخمايسي كمبدع لديه فكر خاص، من خلال أعماله السابقة “منافي الرب” و”انحراف حاد”، تجده مهمومًا بفكرة الموت والخلود.. في كل عمل يختار أن ينازل هذا العدو المجهول”الموت”، ويحاول أن ينتصر عليه فلا ينجح في أغلب الأحيان.. في هذه المبارزة “ضارب الطبل”، فاجأني الخمايسي بلوحة سردية رائعة، تتصل كلها بخيوط متشابكة من اللغة الجميلة والشخوص الثرية والأفكار الفلسفية.. كان كصياد حاذق مكنه صبره الشديد من وضع شبكته في المياه العميقة، في مكان مخصوص له وحده، حتى تنتقي من الأسماك ما يعجبه.. فهذه الرواية ليست للهزل ولا للتسلية، لكنها كتبت لتثير التساؤلات.. كتبت لكي نعدل المقلوب..
كنت قد سمعت قولًا نسب للأستاذ “محسن زايد” رحمه الله: “مجتمعنا لم يعد بحاجة للهدهدة أو الطبطة كي يفيق، لكنه يحتاج إلى الضرب تحت الحزام..”
هذا ما فعله الخمايسي بالضبط في “ضارب الطبل”.. فبالرغم من كون الرواية تدور حول الموت وتناقش فلسفته، إلا أنها مفعمة ومليئة بكل صور الحياة.. حب وجنس، ميراث، استعمار أجنبي، أمومة وأبوة، صراع بين العلم والدين..
تدور أحداث الرواية حول جهاز تم اكتشافه يمكن من خلاله، فور ميلاد الإنسان، معرفة تاريخ وفاته!!.. بالطبع لم يتمكن الخمايسي من كبح جماح نفسه بالسخرية من الأنظمة العربية، وتوضيح كيفية تعاملها مع مواطنيهاإزاء هذا الاكتشاف العجيب.. أيضًا تمكن الخمايسي ببراعة يحسد عليها من تأصيل فكرة تعاملنا مع الغرب (أمريكا على وجه الخصوص)، من خلال شخصية الخواجة عراق.. وكيف أنه كان يشتري مؤخرات المصريين بأوراقه الخضراء، رجالهم وحريمهم!!..
لم أتمكن من عدم الاعجاب بشخصية خضرة، بالرغم من فحشها الشديد، كانت تنطق في الغالب بالحكمة (حكمة ضارب الطبل).. أيضًا تعاطفت لدرجة كبيرة مع حفار القبور..
لكن أكثر ما ترك أثرًا في نفسي كان تلك العائلة التي سترحل كلها في تاريخ واحد، وذلك المصير المؤلم الذي لاقوه في نهاية النص..
سأحاول أن أكتفي بهذا القدر؛ كي لا أفسد على راغبي القراءة متعتها.. لكن العمل يحتاج ويحتمل بالفعل إلى الكثير والكثير من المناقشة والتحليل..عمل أدبي مختلف، متفرد.. الفكرة رائعة، الوصف أكثر من رائع.. أجاد الخمايسي بناء بيئته بشكل واضح وأرغمنا على معايشتها.. اللغة جاءت مناسبة تمامًا للبيئة والشخوص.. موهبة سردية فطرية استطاع من خلالها وصف أدق الأشياء، وأيضاً أعانته على دفع الصراع الداخلي للشخوص إلى السطح ، لنتمكن من قرائتها بكل سلاسة ويسر..
برغم التنقلات السردية والقفز على الحدث والزمان، إلا أن الخمايسي استطاع أن يصل إلى عمق فكرته دون أن يشتت الأذهان.. رواية محكمة ومدهشة،من ذلك النوعالذي تزيد قيمته مع مرور الزمن،وهى كذلك من الروايات التى ستفتح آفاقًا لا حدود لها للتناولات النقدية..
هذا عمل أدبىجاد أرى أنه لا يصلح لعامة القراء ،ولكنه عمل لخواص الخواص.. الذين لديهمالقدرة العقلية والنفسية على تقبل تناول أدبى جريء وصادم لقضايا وجودية..وبشكل عام أعتقد أن هذا العمليستحق أن يكون أحد أهم الأعمال التي صدرت هذا العام، كما أظن أنه أنضج أعمال الخمايسي ودرة ما خطه قلمه..
بدأ الخمايسي الرواية باهدائها إلى محبي التحليق، وكان محقًا.. الرواية مليئة بالدلالات والمعاني التي ستلمسها بقدر قدرتك على التحليق..
وأختم هذا المقال بالرد عليه: “حلقنا واستمتعنا مع قلمك برواية مميزة، تسعى للطرق على العقول في محاولة لتحريره من الجمود..”

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend