الرئيسية / سبوت / أدهم العبودي يكتب: «أشرف الخمايسي».. الإله الذي نعس

أدهم العبودي يكتب: «أشرف الخمايسي».. الإله الذي نعس

بقلم: أدهم العبودي

أدهم العبودي.

بحذر شديد، يُمكنك أن تتعامل مع “أشرف الخمايسي”، للأثر الذي يتركه الانطباع العام عنه في ذهنك، أذكر أنّهم عندما حاولوا تكريمه في “مهرجان طيبة الأدبي” في عام 2011 رفض، لسبب وحيد، وهو أنّ التكريم لا يقابله مبلغ مالي، عندما سألوه، قال بصراحة: الموضوع مش في الفلوس.. الموضوع في تقدير قيمة الأديب.
هل يُمكن أن تكون هذه العبارة هي أولى المداخل لشخصية “الخمايسي” والتعرّف إليه عن قُرب؟ لم ينكر يومًا أنّه بخيل، يُجاهر به لكلّ أصدقائه، أجل أنا بخيل، يعني نادرًا ما تجده أخرج نقودًا من جيبه ليدفع حساب مقهى أو مطعم، هو لم يفعلها أبدًا، إنّما، هل هو بخيل بالفعل؟
شاءت الأقدار أن يكون “الخمايسي” واحدًا من رِفاق طريقي، لذا؛ عاشرته عن قُرب، ودخلت بيته، الغريب أنّه مضياف، لم أدخل بيته مرّة إلّا ودعاني على الطّعام، بل –المدهش- أنّه كان يقدّم لي سجائره “الكيلو باترا” –وقتذاك- بمنتهى الأريحية، ولم يتعسّف معي إذا طلبت كوبًا من الشّاي أو فنجانًا من القهوة، مرّة بعد مرّة، كنّا أصدقاء حميمين، أنا وهو والشّاعر الرّاحل “مأمون الحجّاجي”، في الغالب كنّا نلتقي كلّ يوم، نلعب الطّاولة، وفي يوم تعارك معنا، ثمّ تركنا وانصرف، في اليوم التّالي أصرّ “مأمون” –وكان طيّب القلب- أن نزوره، خرج لنا ابنه “محمّد” وقال: أبي ليس موجودًا بالمنزل.
كنّا نعرف أنّه بمنزله، “مأمون” قال: “الخمايسي” مجنون. وأنا أخذت عليه جفوته، بعد يومين اتّصل بي، وزرنا “مأمون”، ولم يجد غضاضة أن يعترف أنّه كان بمنزله فعلًا، ولكنّه كان غاضبًا منّا، فآثر ألّا يقابلنا ولم يزل في نفسه بعض الغضب.
ما أكثر الحكايات عن “الخمايسي”، ومعه، كان يأتي لنجلس منذ الصّباح في مكتبي، ولحلول المساء، يقرأ لي وأقرأ له، له نصائح مفيدة، ونافعة، وله الطّباع التي يُمكن أن تنفّر النّاس منه، فهو صريح صراحة تصل إلى حدّ التّطاول، وله آراء جانحة، كثيرًا ما أخذتها عليه، آراؤه في الكتابة النّسائية مثلًا، التي فتحت عليه أبواب الجحيم يومًا، أذكر أنّ إحداهنّ –وبسبب آرائه تلك- شتمته شتيمة علنية على صفحات الجرائد، بل وسبّت له الدّين في جلسة ما، ولم تكن قابلته، ثمّ تشاء الصّدفة أن تزور “الأقصر” مدعوة لمؤتمر “طيبة”، وفي لفتة خبيثة، أشار أحد أصدقائنا إليها، باعتبارها التي سبّت “الخمايسي” العظيم، قفز “الخمايسي” فورًا، ثمّ وقف أمامها، وقال لها: هل تعرفينني؟ فردّت: لا والله. فقال بكلّ إباء: أنا “أشرف الخمايسي” الذي سببتي دينه. ثمّ سبّ لها الدّين –بدوره- أمام كل الموجودين، بعدها صارا صديقين..!
هذا هو “الخمايسي”، لا يجد حرجًا في التعامل مع عنفه الفطري، وصراحته ووضوحه، إذا رأيته بالأمس رافلًا في جلبابه القصير ولحيته تصلّ إلى بطنه لا يُمكنك أن تصدّق أنّه “الخمايسي” ابن اليوم، إذا رأيته وهو يتحدّث عن “منافي الرّب” قبل طباعتها، وكونها واحدة من روايات “البوكر” حتمًا، لاتّهمته بالجنون، إذ أنّه؛ “أشرف الخمايسي” نفسه، هو الذي دفع مبلغًا من المال ليطبع مجموعته “الفرس ليس حرًّا”، ولكن في مفاجئة لم يتوقّعها غيره، دخلت روايته قائمة “البوكر”، ليصبح “الخمايسي” نجمًا حقيقيًا، كان الوسط الثقافي يعرفه ويقدّر قيمة ما يكتُب، إنّما لم يكن جماهيريًا، ثمّ بعدها، بيدِه، بدأ “أشرف الخمايسي” يفقد شيئًا فشيئًا التفاف الشباب حوله، يهاجم أحدهم، أو ينتقد آخر بقسوة، تبلغ التجريح، وإن كنت أعزو هذا لصراحته الفجّة، فلم أعهده كاذبًا أبدًا، غير أنّه –ومع كلّ انتقاد عنيف- كانت الأرضية التي صنعها بعد “منافي الرّب” تتفسّخ، لا لشيء، غير أنّ الشباب لم يتعوّدوا هذه الطّباع، يعني لم يقابلونها في حياتهم، هم يعرفون المجاملات، والمحبة التي تجعل النقد يقف عند حدود اللّسان، فلا يخرج الكلام، من هنا يُمكن أن نقول أنّ “الخمايسي” له ما له، وعليه الكثير، هو صادق وطيّب القلب وصريح، لكنّه عدائي ولاذع في نقده، بل ولديه مشاكل حقيقية مع من ينتقدونه، فإذا بجّلته ظفرت بمحبته، وإذا انتقدته صرت عليه حاقدًا، هذه هي طبيعة النفس البشرية، التي لا يُمكن أن نقيس عليها المنتج الإبداعي في حدّ ذاته، كُنت –وما زلت- أرى أنّ رواية “الصّنم” هي أبدع ما كتب، ربّما لأنّه كتبها في ظروف طاحنة للمُبدع، لا يعرف كثيرون أنّ “الخمايسي” كان واحدًا ممّن يشتغلون في “أخبار الأدب”، وأُجبر –لضيق المعيشة- أن يسكن في “إسطبل عنتر”، في غرفة بحمّام خارجي، قال لي: ويوم أن رأيت ابني “محمّد” الصّغير نائمًا على الأرض فكّرت.. مالي أنا ومال هذا القرف؟ قرّر بعدها أن يعود إلى حيث ذهب، “الأقصر”، تاركًا “أخبار الأدب” والصّحافة و”القاهرة” بمن فيها، لمن فيها، جنون المبدع نفسه هو الذي جعله يستقيل من وظيفته الحكومية ككهربائي إلكترونيات في شركة “النّصر”، جنون المبدع جعله يومًا يبتاع “توك توك” ويشتغل عليه، بل ويفتح ورشة “آركيت”، تخيّلوا أنّه كان يصنع “الآركيت” اليدوي..!
هذا بعضٌ من كلّ، وهذا هو “الخمايسي”، إن قربّنا منه أحببناه، وإن جالسناه عاتبناه، وإن قاطعنا شتمنا وشتمناه، وإن انتقدناه، سرعان ما يقول في فخر: أنا إله السّرد.
إله السّرد الذي نعس لمدة عشر سنواتٍ في بيته بسبب موقف سياسي في قضيّة “محمّد الدّرة”، نعس وأسفر نعاسه عن “منافي الرّب”، التي صدّرته كما يليق لجمهوره وللقرّاء، أرجوه فقط أن يعتزل هذا الفضاء قليلًا، بل ويعتزلنا إن رغب، لا لشيء، غير أن يقرأ كثيرًا ما يكتبه الشباب، ويمنح نفسه بعض السّكينة، ويتقرّب منهم مرّة أخرى، ككاتب كبير بالفعل، له قيمته وقدره ومقامه، وليعرف أنّه إن كان إلهًا، فإخوتنا “الإغريق” عندهم ألف إله، و”الفراعنة” آلاف وآلاف، منهم الذي طواه التّاريخ، ومنهم من خلّده، وأن الكتابة الحقيقية لا تقف عند كاتب بعينه، بل هي في النّهاية مُنتج متكامل، يستزيد بعضه ببعض، ليصبح المشهد محتملًا آلهة كُثر، يُمكن أن يكون “الخمايسي” نفسه واحدًا منهم.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend