إبداعقصةمشاركات أدبية

«المفكرة الزرقاء»

بقلم: عبير درويش

الجميع يتحلقون حولى.. يطالبون، زاعقين، فاغرين أفواهم بالأسئلة، بوجوه كظيمة, تكاد حناجرهم تنزلق، ولا تطبق شفاههم أبداً… أين؟ كيف؟ متى؟ لماذا؟ كم؟جميع ما أمكن جمعه تحت راية الزمان والمكان، أجد دوماً علامة الاستفهام المنبعجة تلك تعترض طريقى بتقوسها واستدارتها المبتسرة، وتلك الأصوات التى تنبرى تطالب ولا يوقف سيل نهيقها سوى النعاس.. حتى مُقلهم الجاحظة تتحدث وتتبجح بالسؤال (كيف نسيت؟) (هل نسيت؟).تباً للنسيان.. نعم تباً له.لكنهم يزجون بى إلى الجنون.. يستحثون عقلى بكل الطرائق.. كمن يدفعك إلى هاوية مستعرة بنار الأفكار التى توخز وتلهب! يبقرون جوفك ليغنموا بمعرفتهم البائسة ولا يأبهون لحالك سوى بنصيبٍ ضحلٍ من الرثاء ومصمصة الشفاه.لا لن أكون مثار شفقة ولن أقبل أن أصبح مدرار تعطفكم علىّ فيما بعد.. لقد حسمت أمرى بالمفكرة الزرقاء.. قيدت فيها كل ما تزلج من ذهنى الشائخ كالهلام.. فقط أستدعيها برفيف ورقة ولن تغزونى ثانية قافلة المقوسات المنبعجة، لقد صففت الأسماء فى اللون الأحمر القانى بدءاً من الآباء إلى الأحفاد.. ودونت الأماكن بالأزرق الداكن، وخصصت الأحمر الزاهى للمال وأرقامه، وزرعت الأخضر فى قلبها بأحب الأشياء إلى قلبى.. حتى زركشات الورق الصادرة عن صدمة الضوء المباغت لآلة التصوير احتفظت بها.. لا أنكر أنها تحاصرنى بنظراتها المتبجحة ووجوها التى تلطخت وتهيأت بألوان مفكرتى حتى أعيتنى.. نظراتها التى ترمينى بالعجز والخرف، وضحكاتها البلهاء منى وتباريها فيما بينها على عدم قدرتى التفرقة بين ابنة العم والخالة وصهر الأخ وزوجة الصهر.أرهقتنى السنون وأعيتنى، وأثقلت الدنيا كاهلى بأحمالها، منذ كنت طفلاً صغيراً إلى أن صرت يافعاً.. حملت عبء محفوظات دراسية تنوء عن حملها الجبال، وحين امتهنت.. زاولت الحفظ والترقيم، والتعداد لحصافتى.. وحين هممت بالزواج رُزقت  عدداً من الأبناء لا بأس به.. حفنى فيما بعد بتعداد مضاعف من الأحفاد التى لم أقو على التفرقة بينهم! عشت بينكم الحياة بأفراحها وأتراحها.. لم تسرقنى العدة ولا الأعداد منكم؛ بل أنا من وهنت وطعنت سناً وزهدت فيما تسعون وراءه.. حتى محوت من جدار ذاكرتى كل  شائه، ولم أعد أؤمه حتى صارت ذاكرتى كالحافلة الخاوية لا بها راكب ولا مرتجل.أنتم تسعون إلى الأرقام، إلى حافظة ودائعى البنكية؛ وتاريخ شراء السندات، وقيمة مدخرات الإعاشة.. وتتباحثون سراً وجهراً عما خفى، أو أغفلت ذكره، وتذكره.. لا تخشوا شيئاً بتاتاً.. كل شىء مسجل بالمفكرة الزرقاء وجميعهم مدون حسب اللون، وبترتيب الحدث ومؤرخ.. كله مدون هناك.. بالمفكرة الزرقاء.. فقط علىَّ أن أتذكر أين هى؟!

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى