إبداعقصةمشاركات أدبية

«زهرة نادرة».. قصة محمود السعيد

قصة: محمود السعيد

تجلسُ على العشب، مُتجردة بسيطة، بعينان مليئتان بشغف الحياة.. كأنها راقِصة لاتينيّة.. ومن حولهما كان ارهاق سوء التغذيّة.. خطوط دائريّة متدرجة السوّاد على بشرتها الأفريقيّة الناصِعة،  تنظر بعينين واسعتين حالمتين بنصف ابتسامة للشمس الخفيفة التي يتراقص ضوءها على عبائتِها الملوّنة المبهرجّة، كأنما هى احتفاليّة بالحياة.

يسير بلا هدى، كعادته، يفكر بأن القاهِرة جدّ رماديّة.. ربما بِفعل الغبار أو العوادم، و أن لا شيء يلمع فيها سوى الأسفلّت. ألوان القاهِرة ليست فقط بالشاحِبة، لكن مريضة حقاً. ينظر للسماء مليّاً.. و كأنما يستنقذ روحِه بزرقتها الخفيفّة.

يصطدمان،

“المفوضية العامة لشئون اللاجئين”

وليس هناك أكثر من تلاقيّ عينين، ربما لخمسة عشر ثانيّة أو يزيد. تبتسم.. ليرتبك، وكأنما سقط على رأسه عالمُ آخر. يبتسم. يسير بعيداً متباطئاً.. ثم يجلس هناك على كرسيّ متهالك للمارّة .

ليس باعجاب رجل بامرأة، يفكر. كانت زهرّة شديدة التورّد في مدينته الرماديّة، زهرة نادِرة.. وجود مغايّر.. امرأة ليست بالقاهريّة، أي امرأة ليست عابسةَ ولا خائفةَ. امرأة كفت عن الهيام في الحركة المحمومة للمدنية، وجلست على العُشب بكامل عبائتِها المُبهرجّة الألوان في نهار يوم مشغول كهذا، انها شيءُ جديد.. كأنما هى قصيدة بُعثت فيها الحياة، تمشيّ على الأرض في مدينته الرماديّة كي تذكرها بالحياة المفقودة لقاطنيها. بالوجود المغايّر.. أعاد تِكرار الكلمة. من أرض أفريقيا هناك بعيداً..  حيث لا تزال الحياة ذو قدرة على الإدهاش.

لم يعلم كم مرّ عليه وهو يراقب أدق حركة ليداها، عيناها.. كان مأخوذاً. وحواسه كُلها مُستفزّة.. كان ينفضّ عن كُل ما أدركه عن العالم، غبار القاهِرة.. ورماديتها.

هذه الفتاة المجهولة الهويّة هناك. الغريبة تماماً عنه و عن عالمه. لا تتحدث، لا تفعل شيئاً محدداً و لا مهماً.. ولا تدرك حتى وجوده خلفها،  تغيّره وتبعثره وتُعيد تشكيله بمعجزة ما.

أوقفت باصاً عاماً، وصعدت، صعد وراءها.. لمحته، وابتسمت مرة أخرى، لم يرتبك.. ابتسم بوسع وجهه كله لها وجلس خلفها.

أوقفت الباص بالقرب من محطة مِترو مزدحمة، لم يتبيّن على وجه الدِقة ما هى، تبعها حتى عربّة المترو.

في العربة،

كانت تجلس بجانب شاب أفريقيّ، لم يعلم تماماً من أين ومتى جاء. أشبكت يداها في يديّه، وابتسما..

لمحته مرة أخرى،

ابتسمت له ابتسامة خجولة،

وكأنما تعتذر..

بدوره ظل صامتاً، هناك.. حتى آخر محطة. كانت وجوه الراكبيين، تزداد بشاشة كٌلما ابتعد المترو عن منتصف القاهِرة. وحينما خرج مِنه، كانت كنيسة ما.. وبيوت صغيرة، وأرض خضراء. خضراء.. وسماء زرقاء نقيّة. وأصوات عصافير. وضحكات أطفال تعلوّ صوت عربة المتروّ المبتعدة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى