الرئيسية / مقالات / علاء فرغلي يكتب: رسائل سبتمبر في ضارب الطبل

علاء فرغلي يكتب: رسائل سبتمبر في ضارب الطبل

بقلم: علاء فرغلي

الجمعة الماضية قابلت صديقي أحمد القرملاوي صدفة، قال إنه سيشتري رواية الخمايسي ضارب الطبل، قلتُ إني اشتريتها ولم أقرأها بعد، لكني على ثقة بتميزها لثقتي في إبداع كاتبها، قبلها – وبمحض الصدفة أيضا قرأت رواية “رسائل سبتمبر” لـ أحمد عبد المنعم.
كلتا الروايتان تتناولان تيمة واحدة بشكل مختلف، تفرضه طبيعة الكاتبين، أحدهما مخضرم ينسب لنفسه أو يُنسب له ألوهية السرد، والثاني شاب في بداية الثلاثينات ينتظره مستقبل كبير، أما التيمة فهي “ماذا لو علم الإنسان بميعاد موته؟”. لكن تناول رواية رسائل سبتمبر جاء منحوتا من رواية “انقطاعات الموت” في قسمها الثاني من خلال رسائل يبعث بها الموت لضحاياه قبل موتهم بأسبوع، بينما في النص الأصلي يرسل الموت رسائله لهم قبل أيام! حتى ليكاد يكون في أماكن عدة من الرواية مجرد ترجمة رشيقة للنص الأصلي، أو تمصير للفكرة الرئيسية وبعض تفريعاتها بلا زيادة ولا نقصان، عبر أسلوب جيد رشيق وجمل قصيرة متسارعة وحوارات حية وسرد يعتمد لغةً بيضاء سلسلة خالية من الخيال، لكنها مناسبة لطبيعة النص الذي استطاع كاتبه أن يخلق “حالة” موجودة أيضا في نص ساراماجو، بينما في ضارب الطبل حاول الكاتب خلق “عالم متكامل وممتد”.

لكن الخمايسي وللمرة الأولى “يستكتب نفسه!!!” وما كنت أظن أن كاتبا في قامته يمكن أن تستلبه فكرة، فيحاول تطويعها بهذا الشكل!!
في “ضارب الطبل” نفس التيمة “ماذا لو علم الإنسان بميعاد موته؟” لكن الكاتب –باعتباره محترفا ومخضرما- استطاع أن يبتعد كثيرا عن فكرة ساراماجو، فجعل معرفة تاريخ وفاة الشخص مصاحبة لولادته، لتختلف عن النص الأصلي الذي يعرف فيه الشخص بموته قبل عدة أيام!! لكن هذا الاختلاف فتح بابا واسعا على الكاتب لم يستطع إغلاقه، أوله هو فكرة الزمن الذي تدور فيه الرواية فكل دلائل الوصف للمكان والزمان تقول أنه الزمن الحالي، بينما يقول الراوي إنه زمن مستقبل، استطاعت فيه دولة أجنبية اختراع جهاز يحدد بدقة تواريخ وفاة الرضع بمجرد ولادتهم، ثم جعلت هذه الدولة استخدام الجهاز إجباريا بعد 18 عاما، ثم يحكي الراوي أن أهالي القرنة في جنوب مصر منذ عشرات السنين جلسوا ينتظرون موت رجل سبعيني؟ هذا يعني أن عمل الجهاز في المكان الذي تدور فيه الرواية بدأ ليس قبل 120 عاما على الأقل، ومع ذلك يمكننا تجاوز فكرة الزمن إذا اعتبرنا أن فانتازية الفكرة يمكن أن تدفعنا للتغاضي عن الأفكار المنطقية!! لكن الغريب أنه بعد أكثر من مائة عام من اختراع الجهاز لم يتغير شيء في مجتمع الخمايسي! بل ما زال يتعامل معه الجميع كأمر طارئ يتمنى البعض زواله وآخرون يهربون منه في الصحاري. لكن لا أحد تعامل معه على قدره، بابتكارات جديدة مثلا أو أي شيء يدل على أن الإنسان قد تعاطى مع هذا المتغير العالمي بشكل جاد غير النواح والتفلسف، ربما يرد أحدهم فيقول، إن معرفة الإنسان بتاريخ موته جعلت البشرية في حالة ركود وعزوف عن الحياة وأكثر استعدادا لاستقبال الموت، لكن الرواية لا تنطق بهذا الطرح، على العكس، فرغبة الأبطال في امتلاك الحياة تتعاظم، وإذا كان قصيرو العمر لن يهمهم تعمير البشرية فقد كشف الجهاز عن طويلي العمر الذين أصبح لديهم متسع للابتكار والإنتاج.
يجيء هنا عالم الرواية، ومثلما اعتبرنا أن أحمد عبد المنعم قام بتمصير رواية “انقطاعات الموت” فيمكننا القول أن الخمايسي قد “صعدنها” أي صبغها ببيئة الصعيد وشخوصها وتفاصيلها التي يحفظها الخمايسي عن ظهر قلب، ويجيد نقل دقائقها واستحلاب لغتها، هو نفس العالم تكرر رواياته “الصنم ومنافي الرب وبعضا من انحراف حاد”، مفرداته الصخور والجبل والرمل والمقابر والماعز والحمير، ونفس الشخصيات بنفس قاموسها اللغوي وسبابها وقفشاتها المضحكة. ولا أبالغ إذا قلت إن وحده الخمايسي هو من يجيد اللعب في هذا المكان، لكنه لم يجرّب اللعب خارجه!! حتى إنك من خلال تحليل نص واحد للخمايسي يمكنك الوقوف على كيفية بناءه السردي وتراكيبه اللغوية وتصويراته البلاغية ككل!!
تقرأ الرواية، وما أن تتعاطى مع فكرتها التي يحشد لها الكاتب بكل طرق الإقناع الممكنة حتى يفاجئك بفكرة جديدة في منتصف الرواية، فكرة أخذت من الرواية ولم تضف إليها، فها هو يقرر فجأة أن الأشخاص أقل من 18 عاما لا يعرفون بمواعيد ميتاتهم بحكم القانون، حيث تحظر الحكومة على آبائهم إبلاغهم قبل هذا التاريخ، تخيل! تخيل معي، كل القرية تعرف تاريخ موتك، إلا أنت حتى تتم الثمانية عشر عاما، كل القرية تنتظر قدوم علواني لمعرفة تاريخ موت ابنته وهل سيكون نفس تاريخ موت بقية الأسرة أو لا ومع ذلك فإن هذه البنت المفترض أنها لن تعرف تاريخ موتها قبل 18 عاما، في رأيي أن هذه الفكرة لم يكن مسوغ لوجودها إلا رغبة الخمايسي في استئناف حالة السرد على منوال جديد، ليصف من جديد كيف يستقبل هؤلاء أنباء موتهم!! طبعا فكرة خزعبلية لا يمكن تصورها، حتى في إطار الفنتازيا. وهي فكرة لا تستقيم مع فكرة نبذ الذين لا يعرفون تواريخ ميتاتهم من المجتمع فيضربون في الصحاري هربا من الناس! يعني مثلا، ماذا يضير شخص لم يخضع للجهاز أن يكذب فيقول إنه سيموت بعد ثمانين عاما مثلا، هل سيشنقونه إذا مات قبل هذا التاريخ؟؟؟
لم أستسغ كذلك فكرة استحضار الموت والجنس بهذه الطريقة، حتى أن ثلاثة من أبطال الرواية يموتون أثناء ممارسة الجنس، زوجة ياسين وزوجة علوان وعبد العليم، الرجل الذي حج وصام وصلى، في انتظار الموت لكن لا مانع من انتصاب ذكره عند رؤيته خضرة العاهرة. لماذا يعد الجنس هو آخر أسباب الحياة لدى الخمايسي، طه ومحمد السيد وعبد العليم وعلوان الخواجة عراق، وتقريبا كل شخوص الرواية.
“أنا فيلسوف كبير وُلد في مجتمع بقر” هذه جملة الرواية، تأتي على لسان ضارب الطبل، هو شخص يتفلسف، تأتيه الحكمة والإلهام وربما قراءة الغيب وقراءة دواخل الناس، لا تعرف أهو حقيقي أو خيالي، وهي ذاتها التيمة التي تتكرر أيضا وبنفس منوالها في روايات الخمايسي، صنع الله في انحراف حاد، وربما مرز في الصنم، شخصية ضارب الطبل هي المعادل الموضوعي الذي من خلاله يتفلسف الخمايسي، يبث من خلال أفكاره، يروح ويجيء بأريحية وانطلاق ويعطي رأيا في كل صغيرة وكبيرة، هو يرسم الشخصية جيدا كعادته، لكن لا أحب أن يكرر نفسه.
أيضا يبني الخمايسي روايته بنفس الطريقة المعتادة قصص متعددة تعتمد طريقة الفلاش باك، يحكيها بشكل متواز في فصول متتالية، رغم إجادته الانتقال من قصة إلى أخرى وصناعة حالة من التشويق والإثارة، إلا أن كثيرا من الفصول حملت بالإطناب والتكرار، كما ظهرت شخوص واختفت بلا سبب أو ضرورة مثل الحكيم الصيني، شاب في قرية جبلية، أجنبي وزوجته، علي درويش بطوطي.. إلخ. كما أعاقت الكلمات الاستفتاحية وردت في صورة أحرف مفككة في بداية الفصول تدفق القراءة تمنيت لو لم يكررها في بدايات الجمل.
أخيرا، لو قال لي أحدهم إن الخمايسي سيعيد كتابة رواية ساراماجو لقلت إن إذن ستكون أجمل، لكن الذي حدث أن تغيير الفكرة خلق مشكلات كبرى، إن فكرة كهذه لا يمكن أن يتعامل الكاتب معها في باعتبارها حالة طارئة، يبث من خلالها رؤاه وفلسفته من خلال وصف التغيرات الطارئة أيضا، أما أن تكون واقعا راسخا فهذا يستلزم من الكاتب إعادة صياغة الحياة!!

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend