الرئيسية / سيّر وتراجم / أحمد الفران يكتب: الألماني «يوليوس فرانز» وحفظ نفائس التراث الإسلامي

أحمد الفران يكتب: الألماني «يوليوس فرانز» وحفظ نفائس التراث الإسلامي

بقلم: أحمد الفران

كان المرض يشتد على الشاب الألماني الصغير الذي ما لبث أن انتهى من دراسة فنون العمارة بمدرسة الفنون الجميلة بالنمسا في خمسينات القرن التاسع عشر، ولم يجد الشاب يوليوس فرانز طريقاً لعلاجه غير الذهاب إلى القاهرة للبدء في رحلة علاجه بتلك المدينة التي أصبحت مستقراً للألماني الأخر العالم والطبيب الألماني الشهير تيودوربلهارس، والذي طابت إقامته بمصر بعد أن ذاع صيته في العالم عقب اكتشافه لتلك الدودة التي مصت دماء المصريين على مر العصور والتي عرفت بدودة البلهارسيا.
بيد أن الشاب الصغير فرانز فتن هو الأخر بالنهضة التي تشهدها مصر على يد محمد على باشا، وبدأ يبحث عن الاستقرار بمصر على أمل أن يجد له مكاناُ في بلاط الوالي مثل كل جنسيات العالم التي استقرت بمصر.

أهلته دراسة إلى الالتحاق للعمل بوزارة الأشغال العمومية في عام ١٨٥٩، لتبدأ مسيرة فرانز بمصر ليصبح أول مدير لمتحف الفن الإسلامي “دار الآثار العربية”، وأحد أبرز معماري القرن التاسع عشر الذين ساهموا في بناء مصر الحديثة، وكبير مهندسي وزارة الأوقاف، وحامي الآثار الإسلامية بعد أن كان أبرز أعضاء لجنة حماية الآثار العربية القديمة التي شكلها الخديوي توفيق في عام ١٨٨١، تلك اللجنة التاريخية التي لعبت الدور الأهم في حفظ فنون وتاريخ الحضارة الإسلامية والقبطية في مصر.

ما بين ألمانيا والنمسا
في عام ١٨٣١ ولد يوليوس فرانز بمقاطعة ناسو بألمانيا، كان أبوه ويليام فرانز يعمل في جمع الأخشاب من الغابات الألمانية، انتقل فرانز الابن سريعا إلى النمسا للتعلم فيها فالتحق بمدرسة الفنون الجميلة ليتقن فنون العمارة بها، وتشاء الأقدار أن يكون مرضه وطلبه للعلاج سبباً في قدومه إلى مصر والاستقرار بها.

فرانز في مصر
لعب فرانز دورا هاما  في النهضة العمرانية التي شهدتها مصر إبان تولى الخديوي إسماعيل حكم مصر في عام ١٨٦٣، إذ تطلع الخديوي إلى تحويل القاهرة لتصبح باريس الشرق والبدء في إنشاء القاهرة الخديوية، وفي نفس الوقت كان الخديوي يعد خطته للافتتاح العالمي لقناة السويس وتشييد عدد من القصور التي تليق بملوك ورؤساء العالم آنذاك.
ليشارك فرانز بشكل فعال في تشييد تلك القصور والتي كان أبرزها قصر الجزيرة “فندق ماريوت القاهرة حاليا”، إلى جانب إقامة مسرح ومقر للسيرك بالجزء الجنوبي بحديقة الأزبكية.

كبير مهندسي نظارة الأوقاف
وفي الوقت الذي كانت مصر لاتزال محط أنظار المستشرقين والمغامرين للتنقيب عن الآثار الفرعونية ونقلها خارج مصر وبيعها في المزادات بمختلف دول العالم، كانت الآثار المصرية الإسلامية والقبطية تتعرض لإهمال والتخريب والتدمير ويتعدى عليها، ولم تلقى تلك الآثار ما تلقه الآثار الفرعونية من اهتمام بالغ.

أول مدير لدار الآثار العربية
إلا أن العام ١٨٦٩ كان نقطة التحول في الاهتمام بالآثار الإسلامية والقبطية، إذ تقدم المهندس الفرنسي أوجوست سالزمان “Auguste Salzmann” (١٨٢٤-١٨٧٢)، بمقترح إلى الخديوي إسماعيل لحفظ آثار العصر الإسلامي وجمعها في مكان واحد، وعلى الفور أعجب إسماعيل بالمقترح فصدرت أوامره إلى المعماري “فرانز باشا” كبير مهندسي نظارة “وزارة” الأوقاف لإعداد مبنى حكومي تجمع فيه الآثار الإسلامية.
سريعاً أعد “فرانز” مقترحاً بالاعتمادات المالية لإقامة مبنى تجمع فيه المقتنيات الإسلامية التي يتم جمعها من القاهرة، وبدأ في اختيار البواكي التي شكلت الإيوان الشرقي في جامع الحاكم بالجمالية بجوار باب الفتوح، كمتحف مؤقت لجمع الآثار العربية من أرجاء البلاد فيه، وكبديل مؤقت للمتحف المقرر إنشاؤه فيما بعد، وبالفعل بدأت إرهاصات أولى تجارب جمع وترميم الآثار العربية الإسلامية في مصر، ولسوء الحظ تعثر المشروع لأسباب مجهولة، وألقي بعد ذلك في زوايا النسيان، وربما تعود إلى اضطراب الوضع السياسي والاقتصادي في مصر والتي ما لبثت أن أطاحت بالخديوي إسماعيل.

مدرس ومدير منتجع صحي
وفي عام ١٨٧١ أوكل إسماعيل إلى فرانز مهمة تدريس فنون العمارة للمصريين بمدرسة درب الجماميز ومنحه لقب البكوية، واستمر في التدريس بتلك المدرسة حتى عام ١٨٧٥ حيث انتقل ليتولى إدارة المنتجع الصحى الذي أسسه الخديوي إسماعيل بعين حلوان ويكون أول مدير له.

لجنة حفظ الآثار العربية
إلا أن طموح فرانز في حماية وحفظ الآثار الإسلامية التي لا تزال تتعرض للخطر خاصة بعد تخطيط المدينة الجديدة “القاهرة الخديوية” والتي قامت أطرافها على بقايا المدينة التاريخية وعرضت بعض فنونها للتدمير، ويتلاقى طموح فرانز مع حماس الخديوي توفيق لفكرة حفظ الآثار الإسلامية، وربما يعود هذا الحماس إلى التربية الدينية التي حرصت أم توفيق على تعليمه على أيد مشايخ الأزهر، واشتهر بتدينه الشديد من بين أبناء الأسرة العلوية.
وأصدر الخديوي “توفيق” في عام١٨٨١ الأمر الخديوي إلى إدارة الأوقاف لجمع كل الآثار من المساجد الأثرية، وأن تكون تحت مسئولية “فرانز باشا”، ثم صدر الأمر الخديوي الأكثر أهمية وهو تشكيل “لجنة حفظ الآثار العربية القديمة” برئاسة محمد زكي باشا وعضوية فرانز بك ويعقوب أرتين باشا والبريطاني إدوارد روجرز بك، ومحمود سامي باشا، ومحمود الفلكي باشا، تلك اللجنة التي تولت جرد وحصر الآثار العربية القديمة التي لها قيمة تاريخية أو فنية.  وصيانة تلك الآثار، ورعاية حفظها من التلف، وإبلاغ نظارة الأوقاف بضرورة القيام بالتصليحات والترميمات المطلوبة، ونقل النفيس منها إلى دار الآثار العربية والتي كونت لبنة المتحف الإسلامي بالقاهرة.

حلم يتحقق
وفي ١٨٨٤ كانت دار الآثار العربية قد تشكلت بعد جمع نفائس الحضارة الإسلامية في مصر، وأصبحت الدار جاهزة للافتتاح، وأصبح حلم فرانز بك في حفظ فنون الحضارة الإسلامية على وشك التحقق، فاختير بالفعل أول مدير لدار الآثار العربية “متحف الفن الإسلامي”، حتى أٌحيل للتقاعد في عام ١٨٨٧ وظل منصب المدير خاليا حتى عام ١٨٩٢ عندما تولى المعماري الشهير ماكس هيرتز باشا مسئولية إدارة الدار بشكل غير رسمي.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend