مقالات

أحمد مسعد يكتب: خطاب بعلم الوصول لحضرة الكاهن

بقلم: أحمد مسعد

أحمد مسعد

لا تندهش! فالألقاب إن تم إلغاءها فإن أحدًا لا يستطيع أن ينكر عليك أنك صاحب مقام رفيع في الكتابة النثرية ربما لا يضاهيك فيه أحدًا وإن اختلف معي الكثيرين، سأبدأ حديثي إليك اليوم بإعتذار واجب سأمتلك الجرأة لأعلنه أمامك، لم أكن في بدايات علاقتي بالقراءة من مُريديك -بل تعديت الأمر- فلم أكن أدرك سببًا يجعلهم يحتفون بك كل هذا الأحتفاء سوى أنك قد حصلت على جائزة نوبل، ولكن هل يمكن لقزم مثلي في مراهقته العمرية والفكرية أن يدرك قدر كاهن مخضرم مثلك في محراب الكتابة.

كنت قد قرأت لك وقتها اللص والكلاب والسمان والخريف والقاهرة 30 من مكتبة والدي وشاهدت أفلامًا مأخوذه من روايتك الأشهر الثلاثية وأعذر لي نزق قلة الخبرة فقد كنت موهومًا وقتها بتكثيف يوسف أدريس وعبقرية يحيى حقي وكنت أظن وقتها أن الكتابة لابد أن تكون هكذا فقط.

أعلن اليوم على الملأ أنني كنت مخطىء كل الخطأ وأنني فقط وقتها لم أكن مؤهلاً لدخول محراب الأدب الذي أنت أحد كهنته الكبار، ولكن لم يتعد الأمر مجرد سنوات المراهقة الأولى حتى بدأ فصلاً جديدًا من علاقتي بك.

لكن أولاً أريد أن أعيد الفضل لأهله في معرفتي الحقيقية بالكاهن.. ففي الجامعة شاهدت صدفة الفيلم المأخوذ عن نصك ثرثرة فوق النيل، وقتها لم أكتفي بالمشاهدة ولكنني وجدت داخلي ما يدفعني دفعًا لقراءة النص، وهنا اكتشفت الباب السري لدخول صومعة الكاهن في معبد الكتابة، ولكنني لم أجروء على فتح الباب ودخول الصومعة لأنهل منه إلا بعد أن وقع بعدها بمدة قصيرة نص عملك الأكثر إثارة للجدل أولاد حارتنا، آفة حارتنا النسيان.. تلك الحكمة المقدسة التي لخصت الرؤية الكاملة لكاهن يمتلك من الوعي والإدراك ما يجعله يعبر فوق جسور الزمن ليكتب نصوصًا تستطيع أن تعيش لقرون طويلة لا حصر لها؛ ومن وقتها وأنا أقرأ كل ما يقع تحت يدي من أعمالك، أخرها كان بالأمس عندما بدأت في قراءة “خمارة القط الأسود” ولتعذر لي جهلي بمدى سلاسة وعبقرية ما كتبته في فن النثر المكثف مما جعلني أندم على عدم القراءة لك في هذا اللون من قبل.

سيدى الكاهن “نجيب” إن سمحت لي الظروف لأكتب لك اليوم فسأكتب، لا لتعرف تأثري بأعمالك أو بشخصية كتبتها في إحدى نصوصك، وهم كثر لا سبيل لحصرهم في كلماتي المحدودة، ولكنني أكتب حقًا لكي أؤرخ لنجيب محفوظ الفكرة ونجيب محفوظ المنهج.. فأنت منهجًا مستقلاً بذاته اتبعته في نصوصك على اختلاف صورها وإن تعمدت أن تخرج أغلب أبطالك في عالم الحارة المصرية القديمة، وأزياء زمن الفتوة فهو إسقاط ينم عن عبقريتك ومدى عمق وفلسفة رؤيتك الخاصة التي تشكل عماد الكتابات التي تحمل توقيع نجيب محفوظ عليها.. رؤية شرحت بها مجتمعا حتى وصلت إلى أبسط أجزاء تركيبه، وعي يدرك مقدار المشكلات التي يحيا فيها أبناء وطن يعيش داخل وجدانك، فتقدم بين سطور كلماتك حلولاً مشفره إدراكها سيمنحنا الكثير والكثير لنفعله، والجميل أنك تفعل كل ذلك بلغة الكاهن السلسة التي تدخل القلب من أقصر الطرق. فأنت ياسيدي إن استطعت أن أكون مُنصفًا عالَّمًا مستقلاً بذاته يصلح لإمتاع العامة، ولكن الغوص داخله للوصول إلى الكنز المدفون يحتاج إلى مقدارًا من الوعي والثقافة يمتلكه الخاصة وهم ليسوا بالكثيرين في أيامنا، ولا أبالغ إن اعتقدت أننا لانزال بعيدين كل البعد عن إدراك الكنز المدفون بين سطور أعمالك المختلفة.

سيدى الكاهن نجيب.. هل تعلم أنني أحسد من نادموك واستمتعوا بجلساتك البسيطة على المقهى.. أحاول أن أتخيل فعلا أنك تجلس أمامي تدخن بهدوء ويخرج الدخان سلسًا من بين فراغات كلماتك.. كثيرًا ما تصورت هذا المشهد وحاولت أن أملأه بالكثير والكثير من العبارات دون جدوى.. فيقينًا في حضرتك تتساقط كل الكلمات كأوراق الشجر الميته.. فأي مجنون هذا الذي سيخسر بضع ثوان من الزمن يتوقف فيها الكاهن عن نقل مفاتيح السر، ولا يسعني أن أقول إلا أن غيابك الآن عن زماني لهو خسارة فادحة لا يعوض فداحتها إلا ميراث أعمالك.

في نهاية رسالتي إليك.. أشكر النعمة التي ألهمتني الطريق إلى المعبد ناسكًا في حضرة الكثير والكثير من أصحاب الطريق، وتلميذًا في صومعة واحدة ستظل تحمل اسم الكاهن نجيب محفوظ أبدا.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى