مقالات

أميرة غريب تكتب: «أوراق شخصية»

بقلم: أميرة غريب

بعنوان « أوراق شخصية»، تعرض الكاتبة والمناضلة السياسية “لطيفة الزيات” تجربة كتبت عنها في حياتها ضمن كتاب، أعادت طباعته دار الكرمة للنشر بالقاهرة 2016 بعد إضافة جزء ثالث لها مرتبط بتجربة الكتابة بعنوان “تجربتي في الكتابة”.

لطيفة الزيات روائية وناقدة مصرية ومناضلة سياسية ولدة في محافظة دمياط 8 اغسطس 1923، أولت اهتمامًا خاصًا للمرأة وقضاياها ومن أشهر أعمالها رواية “الباب المفتوح” والتي حازت فيها على جائزة “نجيب محفوظ في الأدب” في أول دوراتها عام 1996، كما حازت على جائزة الدولة التقديرية للأدب 1996 وتوفت في 11 سبتمبر من نفس العام .

” أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بداية في شيء ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة “
حملة تفتيش عن الذات تحمل قسوة الجدران بداخلها فلا أشقى على الإنسان من أن يكون سجينًا، ولكن هنا بين الأوراق الشخصية للمناضلة العظيمة “لطيفة الزيات” تلاشت جدران السجن، وتدفقت الكلمات تبحث عن الحرية، تكشف بين السطور عن عذاب السطو السياسي وقسوة التجربة الإنسانية والقدرة على استعادة الذات من خلال الآخر، فلا قيمة للجدران والأبواب طالما كان القلم قادرًا على أن يخوض الحياة بأكملها بين الكلمات باحثًا عن الحرية، وليست تلك المقدمة لنا على أرصفة الشوارع، وبين أقطاب الكرة الأرضية، وانما هي القابعة بدواخلنا، المنبثقة من أرواحنا الحرة التي لا يستطيع أحدا هدمها أو اسكاتها بين جدران السجون والمعتقلات، فهي خالدة بخلود الكلمات والتاريخ.
كشفت “الزيات” في حملتها الذاتية للتفتيش عن الذات، كيف أن يكون لكل فرد على الدوام قدرته الخاصة في الانصهار و الاندماج في المجتمع، فجعلت من تجربتها جزءًا يشكل ضمير العالم من حولها، يعيد بنيان الوطن، ويقيم جسرًا للتواصل بين الأنا القابعة في نفس الأنسان وبين الضمير والتاريخ الجمعي في محاولة لقاء والتقاء نادرة الحدوث.
الأحداث الحياتية مجتمعيًا وسياسيًا، جعلت من كل إنسان قادر على الوقوف بصوت حقيقي بين نزعات الفوضى من حولة، اعادت تشكيل روح وقلم المبدع كي يكون قادرًا على الرصد والانصهار فكان لتجربتها الخاصة صوت حقيقي في مذكرات تشبه السرد الروائي لما يمكن تخيلة في حقيقة قلب نابض بالألم والأوجاع، صدمات الحياة كانت متلاحقة في سنوات “الزيات” فوصفت التجارب بقلم يملؤه الحسرة والحزن بداية من مرض أخيها “عبد الفتاح” بالسرطان و معاصرتها لحظات احتضارة مرورًا بتجربة طلاقها الاول بعد زواج دام ثلاثة عشر عامًا وقسوة الإحساس بنزعة الانتماء التي حاصرتها رغم انتقالها من مدينة لآخرى تاركة في كل رقعة أرض ذكرياتها وتدوين أحلامها غير المنتهية بكل مكان سكنت به وإن كان اعترافها الدائم أنه لا بيت لها، فوصفت التشتت المكاني والزماني لها ببراعة كاتب حر لا حدود له يتوقف عندها، أو أرض ثابتة يقف عليها ينقش التاريخ فالارتحال كان سمة من سماتها، والتاريخ تشكل من وجدانها.
“تحقق ما أردت دائما ومازلت أريد، أن أصبح جزءا من الكل وانطلقتُ منتشية أغني بأعلى صوتي مع الكل أغنية الكل”
لم يكن لسرد الخيبات في حياة “الزيات” سوى بصمة وجود إنساني مكتمل العناصر، مفعم بإحساس قلما تستطيع كاتبة “امرأة” تقديمة والخوض فيه كما فعلت المناضلة العظيمة، من تعرية ذاتها الأنثى، والخروج من كيان الأنا المحاصر لها، فلم يعد جسدها يعيقها عن المشاركة كأنسان فشاركت في الحركة الوطنية وانطلقت حرة بهية بين السطور والأحداث، سامقة نحو السماء كي تجيب على جميع التساؤلات وتطرح سطورها التي وصفتها بالتفتيش لا بالسرد فكانت لكلماتها شعار دائم وهو “أنا لا أعرف.. أنا فقط أبحث”.. فبهذا العرض الشيق والممتع لأوراقها الشخصية أعطتنا جميعًا فرصة نادرة الحدوث بالانطلاق وتجنيب المعرفة وابعاد المعروف والمدروس مسبقًا، والسعي فقط وراء البحث والتفتيش.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى