إبداعقصةمشاركات أدبية

«الزهايمر»

قصة: محمد علي برباش

زخات المطر فوق رأسه كالحصى، تغوص قدماه في الوحل حتى الركب، القمر محاق والقرية تغط في نوم عميق، شخرتها تعلو ممزوجة بنقيق الضفادع وصفير الصراصير البحرية.

يكاد لا يرى الطريق ولكن قدميه تحفظانه عن ظهر قلب، يبدو كقطاع الطرق باللثام المغطي لوجهه كله فيما عدا عينيه.

يلتفت إلى الوراء ويرنو لبيت وحيد بابه مفتوحًا دونًا عن بقية البيوت ينبثق منه ضوء خافت، بعض رجال على وجوههم كآبة كقارعي طبول الحرب وشاب في العشرينيات بلغ غضبه الزبى، يتحرك بعصبية، هم أن يلحق به فأشار إليه قاطعًا بالبقاء مع الآخرين.

ود لو طال الوقت ليشرح له أن كل ما يعنيه حمايته هو ليس إلا لذلك سيقتلها بعيدًا بعيدًا.

ثمة امرأة كتلة من سواد تولول في صمت وتلعن الساعة التي أخبرته فيها بشكوكها.

“فاطمة بنتك مش بكر يا حاج”.

تستعطفه بالعدول عن قراره ليدفعها الشاب بعنف داخل البيت ويغلق الباب.

يجرجر شوالاً من الخيش مربوطًا بإحكام بحبل ليفي طويل، يبدو ثقيلاً للغاية ينظر إليه في قرف ويبصق عليه بحركة رتيبة لا إرادية.

“لن يغسل عارك إلا الغرق في مياه النهر، سيجرفك التيار بعيدًا، ستتغير ملامحك فلن يستدل عليك أحد.

ستقيد الجريمة ضد مجهول. وحتى لو حكموا عليّ بالإعدام لا يهم”.

الطريق ليس طويلاً والقرية كلها تنحدر نحو النهر والأرض زلقة والشرف غالي.

ومضات البرق تكشف أمامه الحجب، تختفي فيتخبط في ظلام أشد قسوة.

همهمة مكممة تخرج من الشوال بين الحين والآخر كقطة تموء، احتكاك عظامها بالأرض يحدث صريرًا مزعجًا.

يستوقفه مشهد لكلب وكلبه يمارسان الحب تحت شجرة كرم استفزه المنظر فقذفهما بحجر، لم يفلح، اقترب بعصا غليظة يضربهما للتفريق بينهما، ولكن انزلقت قدمه فوقع على ظهره، ابتعدا الكلبان ينبحان وهما مازالا متعاشقين، شيء ما ظل يربط بينهما.

قام بصعوبة متحاملاً على قدميه، لوهلة شعر أن هناك شيئًا ما خطأ.

“ما هذا المكان؟ من جاء بي إلى هنا؟

ما الذي يحدث لي؟ ربما كابوس أقرب ما يكون للحقيقة وسأستفيق منه بعد دقائق”.

يشعل سيجارة بصعوبة من رعشة عنيفة اجتاحته مع موجة هواء باردة، ينفث الدخان بعنف في مواجهة قطرات المطر الثقيلة، تبرق عيناه بقوة وهو يحدق في الفراغ، يصمت لدقائق ثم ينهض واقفًا متعجلاً.

“نعم هذا ما تستحقين أيتها العاهرة”.

يمسك بالحبل ويستكمل الجر من جديد، يتحسسها، مازال فيها النفس.

“قريبًا سينقطع لا تتعجلي”.

“أووووه أووووه أووووه”

ترد عليه متوسلة بتأوهات مخنوقة أشبه بهمهمة الخيول الحبيسة.

“لقد أخطأت لما قبلت أن تستكملي تعليمك ما كان لك إلا المكوث في الدار بنات أعمامك الآن أمهات.

أَوصل بك الفُجر أن تفعلي هذا؟!

من هو وكم مرة عاشرك أيتها الفاجرة؟ موتك لن ينقذه من الموت وكتمانك لن يجعله مجهولاً للأبد”.

“ما هذا الجو الغريب، السماء لم تمطر هكذا من قبل؛ مابال قطرات الماء تكبر كالحجارة. أهذا مطر حقًا أم هناك من يقذفني بالطوب ولا أراه؟.

سألقيك في النهر كالحيوانات النافقة لتأكلك القراميط، فهي تتغذى على الرمم وأعدك أني لن أذوق القراميط بعد اليوم.

أنسيت ثمرات التوت التي كنت أقطفها لك في الفجر؟ أنسيت عناقيد العنب التي لم أكن آكلها إلا معك؟!

كم كنت أحبك”.

ساحت دموعه واستشعر بسائل بارد يجري في عروقه أشعل جراحه.

“كح كح كح ملعونة السجائر وملعون البرد”.

راح في نوبة قوية من السعال كادت روحه أن تخرج، سكت هنيهة وزاغت عيناه.

راح يتلفت حوله مستغربًا المكان والزمان، يحدج الوجود كله بنظرة ناقمة.

“ما الذي أخرجني في هذا الجو العاصف هل قامت القيامة؟ وما هذا الحبل المربوط على وسطي هل كنت انتوي الرقص؟!

لماذا لا أستطيع السير، وما هذا الثقل الذي يبطئني؟

من أنا أصلاً؟”

لم يكن يعلم أنها أعراض الزهايمر ظهرت عليه منذ فترة، لكنه كان يكابر.

في المرة الأخيرة لم يعرف كيف يعود إلى بيته، ظل جالسًا أمام الجامع الكبير كالطفل التائه الذي لا يعرف اسمه، لا يعي ماذا عليه أن يفعل إلى أن التقطه أحد أقاربه وأعاده إلى البيت.

اقترب النهر، بدا ماؤه الرقراق فضيًا معتمًا، أحس براحة، شم نفسًا قويًا واسترخى قليلاً.

“هل أستحق منك هذا العار؟

كيف سأرفع رأسي من جديد؟

سأقتلك وأتباهى بأني قتلتك.

أنسيت أول كراسة وأول قلم رصاص؟ أول علبة ألوان وأول حقيبة مدرسية؟!

مالك لا تنطقين؟!

ولماذا الطريق طويلاً هذه المرة هل ضللت الطريق؟ هل أمشي في مكاني بلا تقدم للأمام؟”

يستأنف المسير وهو يرغي ويزبد، تبدو رأسه في الظلام كجمجمة مخيفة بها ثقبان يلمعان.

يستوقفه نعيق غراب فوق رأسه مباشرة على حين غرة، أصابه بالهلع، سقط أرضًا، كان الخوف يملأه، لم يقدر على الوقوف، تمدد على الأرض وأخذ يلهث من التعب، نبضات قلبه تتسارع، يهدأ قليلا ويشعل سيجارة أخيرة معه، بدا مهزوزًا يتصبب عرقًا باردًا.

“لماذا أنا هنا الآن؟”

عادته النوبة من جديد، ولكنها أكثر حدة عن ذي قبل، ما عاد يذكر شيئًا.

“لماذا جلبابي غارق في الطين؟”

ماتزال يده قابضة على الحبل بقوة.

“ما هذا؟ هل هو كنز؟”

يفتح الشوال بتؤدة، تلاقي ناظريهما أحدث شرزًا كهربائيًا أضاء المكان. دهش لما رأها فتاة في ريعان الشباب تنتفض من الخوف والبرد، هناك آثار ضرب وتعذيب وسحل على جسمها وبقع دائرية كبيرة من الدماء أسفلها.

تبدو عارية بغلالة رقيقة مبلولة على جسمها الأبيض الرقيق تصفه بعناية، ترنو إليه مذهولة وهي تحمي وجهها براحتيها كلما حرك يديه مازالت تنزف من أماكن متفرقة.

فكر أن يحتضنها ويقبلها ما بين عينيها، ولكنه خاف من ردة فعلها فهي لا تعرفه.

فكر أن يسألها عن كل شيء، ولكن ذاكرته لم تسعفه وعقدة في لسانه منعته عن الكلام.

فك القيد من يديها وقدميها، خلع جلبابه المبلل وألبسها إياه وهي تنظر إليه مستغربة في وجل، تمسح بقايا طين على وجهه في حنان، أشار لها بالرحيل، لم تنتظر حتى تلتقط أنفاسها، تركت ساقيها للرياح وانطلقت بسرعة البرق، تابعها قليلاً وهي تجري وتسقط كل خطوتين تلتفت وراءها كالهارب من الموت، نظراتها قلقة حائرة مذعورة.

تساءل في نفسه مشمئزًا “من هي؟ ومن فعل بها هذا؟ ولماذا؟”

نظر إلى نفسه منتشيًا وهو بالكلسون والفانلة الداخلية، تمدد برهة على الأرض وقد خفت المطر وبدأ نور الفجر يشقشق خجولاً.

أسقط اللثام المترهل وكشف عن وجه رائق صبوح، فكر في أخذ غطس في ماء الفجر الدافئ وجمع بعض حبات التوت لشخصٍ ما عزيز عليه وهو يكمل طريقه حثيثًا منزلقًا في اتجاه النهر.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى