الرئيسية / مقالات / سامح إسماعيل يكتب: «ضارب الطبل».. جدل الموت أم شغف الحياة

سامح إسماعيل يكتب: «ضارب الطبل».. جدل الموت أم شغف الحياة

بقلم: د.سامح إسماعيل
في أواخر العقد الماضي انفجرت ظاهرة النشر بشكل غير مسبوق، مع ظهور إحدى دور النشر، وكان صاحبها يطبع أي شيئ وكل شيئ نظير أن يتحمل المؤلف تكاليف الطبع، بينما تتولى الدار النشر والتوزيع.

سرعان ما راجت البضاعة، وانطلق سيل من الكتب هنا وهناك، وساعدت (الشللية) على انتشار الظاهرة، فالكل يكتب، والكل يشتري لمن سوف يشترى منه مستقبلا (جمعية ودايرة)، فكان من الطبيعي أن نرى أعمالا ركيكة تحقق مبيعات كبيرة، ورويدًا رويدًا دهس الطوفان في طريقه المواهب الحقيقية، لنغرق لسنوات في مستنقع “البست سيللر”، ومبارزات أنصاف المواهب ومعدوميها.
كانت رواية «منافي الرب» لأشرف الخمايسي حدثا فارقا بالنسبة لي كقارئ ومتابع لما يجري في الوسط الثقافي، وقد تجاوز العمل في ظنى حدود الابداع التقليدي، لينطلق نحو فضاءات جديدة لم يطرقها بعد فن الرواية العربية الحديثة، إلتقيت الخمايسي مرة واحدة، وتحاورنا لساعات، وظلت العلاقة على مدى سنوات في حدود الود المتبادل، وحقيقة فإنني لم أشأ تجاوز تلك المسافة، التي تمنحك دوما رؤية موضوعية بعيدة عن شخصنة الأمور وتداخل الأهواء.
نصل إلى ضارب الطبل، والتي أراها محطة مهمة في مشروع الخمايسي الأدبي، يمكن أن تكون محطة الوصول الأخيرة في طريق الاشتباك الطويل مع جدلية الموت التي تؤرق الكاتب وتفرض نفسها على أدواته وفضاءه العام، نعم، يمكن للخمايسي أن يقول: اليوم استكملت لكم دينكم، ورضيت لكم الحياة سبيلا، فالدرب الذي بدأ بـ”حجيزي” تستكمله أمل ابنة رئيفة في لحظة تأسيس جديدة لا يمكن اختزالها أو ابتذال منطلقاتها في نقد لاذع يفتقد للموضوعية في بعض الأحيان؛ ربما بسبب الخلط بين الشخصي والموضوعي، وهنا نعود لحتمية وجود المسافة،وضرورة الفصل بين شخص الكاتب، وأعماله، من منا سوف يستمر على ولعه بأم كلثوم إن هو صاحبها في أحوالها كل يوم؟ من سوف يظل على إعجابه بأحمد شوقي لو رافقه في بلاط الأمراء وحاشية السلاطين؟ حين تتداخل الدوائر، تصبح عواقب اقتحام الهالات وخيمة، وتفقد موضوعية النقد أحد أهم شروطها، ألا وهو التجرد، ويصبح الانتقام أو التمجيد موضوعاً يعكس بؤسا حقيقيا، فحين تفرض الميول الشخصية ومشاعر الحب والكراهية نفسها، تفقد الأمانة أحد أهم سماتها.
بالنسبة لموضوع سرقة فكرة الرواية من ساراماجو، فهو أمر لابد من الوقوف عنده كثيرا، يقول جيل دولوز، أنه لا سماء جاهزة للمفاهيم، وأن الأفكار ليست كالأجرام السماوية ثابتة جامدة في مداراتها على صفحة السماء، نمد إليها أيدينا لنلتقط ما نريد، فلا أحد يحتكر الفكرة، أو يمتلك المفهوم، فهو ذاتى ذاتية النفس، وواحدية الشخص الذي يتناوله، هذا على افتراض وجود اقتباس للفكرة، وهو أمر لا يعيب، بقدر ما يعد اقتباس التناول جريمة، فلربما اقتبس الحكيم فكرة حماره من “بلاتيرو وأنا” لـ “خوان رامون خمينيت”، لكن تناول الحكيم يبدو مغايرا تماما لما كتبه الروائي الأسباني.

ساراماجو في “انقطاعات الموت” لم يحتكر فكرة “الموت”، أو يدون براءة اختراعها لنفسه، لأنه ببساطة ليس مبتكرها، قام ساراماجو بمعالجة فكرة انقطاع الموت في لازمان ولا مكان، وبشكل فانتازي تخيل فيه وقوع الموت (الأنثي) في حب عازف، وهو ما جعلها تقدم على منح الخلود للكل، وفي سياق روائي مكثف تظهر المشكلات، ليكتشف الجميع أن الموت هو سر الحياة وسبب استمرارها، بينما الخمايسي يقدم رؤية أخرى أراها مختلفة تماما، وتكاد تقف على الضفة الأخرى لطرح ساراماجو، فالموت الذي انقطع عند الأخير بسبب حب عرضي مستحيل، حاضر بقوة عند الخمايسي، بل يكاد يحرك كل الأحداث في قرية الموتى الأحياء، في زمان ومكان وحدود وحياة كاملة المعالم، يكشف عن حضورة الثقيل منذ لحظة الميلاد
لم أجد استخدام الاسم الثلاثي أمرًا كارثيًا، وإن جاء مربكًا في البداية، فالجميع حاضرون بهوية كاملة هوية تتحقق بالموت في لحظة الميلاد، وتتجسد بالاباء والاجداد واهبي الحياة، ومن الساذج اعتبارها مجرد حشو لملأ الصفحات، وإنما تندرج تحت غرائبية الحدث وتراتبية صلات القرابة.
خضرة محمد علوان هي بؤرة الحدث وذرورة الصراع المكثف هنا وهناك، لست أراها على الاطلاق رمزا للموت ومرادفا له عند سارماجو، كيف وهى تمنح الحياة وتوزع البهجة أينما وجدت؟ نعم، خضرة تمثل الحياة منذ اللحظة الأولى لظهورها في الفرح، بكل نضارتها وتقدمها في السن وتوهجها وشهوانيتها، الكل خبرها، ونهل منها، وتعلق بها سرا، فالقيود التى تفرضها مجتمعاتنا، وثقافتنا الأخروية الماضوية، وذكوريتنا الأبيدة، وما نحب أن نصدرة عن أنفسنا للآخرين، يسلب منا متعة الحياة، لذا اعتدنا أن نمارسها سرا، مثلها مثل كل ماهو حرام، فباتت (خضرة) عاهرا في نظر من يتلهفون إلى أحضانها حتى وهم على أعتاب الموت، هى تعرف الجميع، وتقتحم الأبواب المغلقة مهما كانت موصدة، تحركت خضرة بين أبطال العمل في رشاقة ومرونة تحسب للكاتب، ولا أعلم كيف يمكن اعتبارها رمزا للموت!
ضارب الطبل هو ذلك النداء المدوى في ضمير الانسان، أن اكسروا تابوهات الموت التي سلبتكم الحياة، افتحوا النوافذ الضيقة واتركوا للنور مساحات يشق بها طريقه نحو قلوبكم، علها تصبح كأفئدة الطير يوما ما.
ربما يعيب الرواية طول خطبة الشيخ الميقاتي، وهو ما أهدر الدلالة التى تحتويها، وجعلها في شكل دفاع ديني من الكاتب عن فكرة تحديد أعمار البشر كي لا تلاحقه دعوات التكفير، تكثيف المشهد كان ضرورة لطرح قضية لي عنق النصوص دائما، والبحث في التفاصيل دون إدراك روح النص.
على كل حال، تظل ضارب الطبل في ظنى عملا أدبيا مميزا، لما تحمل من رمزية لا تقف عند حدود الدلالة اللغوية، وما تحفل به من اشتباك وجودي فريد ومتنوع مع الموت بحثا عن الحياة. فقط لنناقش العمل، وننحى شخصية الكاتب جانبا، ولا نسن رماح الانتقام بحثا عن اغتيال معنوى لأديب أراه أحد أهم الأقلام التي ظهرت في سماء الرواية العربية.

 

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend