إبداعقصةمشاركات أدبية

«كابوس حلم»

قصة: وسام مجدي

كان الجميع ينتظر بشوق هذا الموعد عدا هو فحينما كان يدق هذا الجرس تدق ضربات قلبه بين ضلوعه مفزوعةً وكأنها أستيقظت علي صوت تلك الباخرة التي تمر من أمام منزله ليلا.. لم يكن يهمه الأمر كما يهم الأخرين من أبناء عمره بالمدرسة، فهو سيجلس قرابة الساعتين بذلك الزي يقيده ويضيق عليه الخناق ويمنعه من ارتداء لباس الحرية الذي ارتداه أقرانه الأخرون الأن وهم يزورون ذلك النادي أو ذاك ليلهوا بألون شتي من الألعاب أو منهم من سيذهب إلي درس خصوصي عند مدرس الفصل ومنهم من سيركن إلي سريره الغض ليروح في نوم قطعه ذلك الجرس منذ قليل.. يخرج من الفصل لتستقبله هي بفيض من القبلات الحارة والأشواق الزائدة رغم أنها أقرب إليه منهن إليهم.. فهو يراها بين الحين والأخر تدخل لتحمل سلة أمتلأت عن أخرها ثم تعود لتمسح مياه وقعت من أحدي زميلاته، في غرابة يتسائل لماذا لا تأتي أمهات أصدقائه يفعلن كما تفعل هذه الحنون؟.. يقطع ذلك الفيض من القبلات صوت يرعبه كل صباح أثناء الطابور يتوعد كل من لم يحضر مصروفات العام الجديد.. يأمرها صاحب الصوت أن تسرع حتي يغلقوا المدرسة فتنطلق في فناء المدرسة مثل فراشة تتخبط في كل جنبات الفناء كأنها تتحسس لا تري.
أما هو فلا يجد سبيلاً إلا أن يجلس بجوار بوابة المدرسة يفتح كتابا أغلقه منذ قليل ينظر فيه ليجد الكلام سهلاً ميسوراً يلتقطه رأسه في عذوبة ويسر لم يجدهما في شرح معلمه.. يحلو له ذلك عندما يراها تقف في النافذة تلاعب دميتها الصغيرة وتلقنها كلاما لتنقله له.. كان حينها لا يعبأ بأمه التي تفني نفسها في أرجاء الفناء، ولا نصائحها المتكررة بألا يذهب هناك، ولا بحقيبته التي يتركها بجوار البوابة غير عابئ بنقودٍ جمعتها أمه لشراء هذه الحقيبة رغم أنه يذكر ذلك اليوم جيدا عندما حملته أمه وهنا علي يمينها وحملت علي يسراها دجاجة عزيزة عليه تربَي علي بيضها وكانت له مؤنساً في البيت كما كان كتابه مؤنسا في المدرسة.. حطت بهما في السوق وأخذت تنادي لتبيعها وهو ينتظر من سيحرمه ذاك المؤنس فإذا به رجل طالما حرمهم الكثير، دار بين الرجل وأمه حواراً لم يفهمه ثم ألقي إليهم بنقود كادت ترفضها لولا حاجتها، ثم انحني الرجل علي المؤنس يقبله لكنه لم يحس شيئا بل أحسً حرمانا أخر… تركه محتاجا كما تركه منذ ست سنوات رضيعاً.
يتناسي كل ذلك ويطير إليها ولدميتها ليظل واقفاً أسفل نافذتها يستمع لهما ترددا حكايات وقصص من أزمان بعيدة ومن أعماق البحار ومن جوانب الصحروات ومن أدغال الغابات وفوق سبع سموات وتحت سبع أرضين.. ينقطع كل ذلك بسيل جارف من السخرية والتهكم من أمها التي تسأله عن أمه التي تأخرت فيسرع إلي البوابة.. يفتح الكتاب يستغرق في النظر مرة أخري ولكن بدون سهولة ولا يسر ولا عزوبة ولكن بقطرات تبلل الكلمات التي تذهب أمامه وتجئ، في هذه اللحظة تمتد يد الحنون لتجفف تلك الدموع المتساقطة تمسحها في عتاب رقيق ولوم بناء ونصيحة متكررة بألا يذهب هناك إلا وهي معه.
تقوم معه بعدها إلي طورٍ أخر من يومه الكئيب حيث بيت صاحبة السيل الجارف لتلبي الحنون بعض الأشغال بينما لا يزال هو في زيه الخانق، يري صاحبة الدمية يشده إليها كل براءتها فينظر إلي أمه في إشفاق يطلب منها الذهاب فتأبي، فيظل فوق ذلك الكرسي الساكن في أحدي زوايا المطبخ لا يجد مفراً إلا مؤنسه ينظر فيه فتأخذه غفوات من النعاس يفيق منها علي صوت طرق أمه أو ليلملم أطراف الكتاب الذي سقط منه أو ليعدل رقبته التي أنزلقت بين كتفيه، ويفيق أخيرا ليجد نفسه في طوره الأخير من يومه متحررا من زيه الخانق مرتديا رداء الحرية التي فاته منها الكثير، فالصبح قريب، ثم يأخذه نعاس خفيف يري نفسه في معطف أبيض بسماعة فوق كتفيه يمضي مسرعاً بين حجرات متراصة.. يعطي اشارات لملائكة رحمة ينفذونها… يعتدل في رقدته فيري موقعا تحت الإنشاء وهو بالوسط يرسم ويشير.. يفتح عينيه ويغلقها ليتبدل المعطف الأبيض بأخر أسود بقاعة ممتلئة عن أخرها يجلس الجميع ليستمع له وحده وهو يدافع عن برئ سجنه الدهر، في كل الأحلام يري صاحبة الدمية تارة مريضة يعالجها وأخري بريئة يدافع عنها، ثم يراها معه فوق باخرة تشق أمواج البحر المتزايدة تضرب أركانها من أسفل فيصعد رزازها لأعلي ينعشهما… فجأة تسقط الدمية… تتبعها صاحبتها… ينظر إلي بوق الباخرة… صوت مفزع يعلن أطوارا معتادة في يوم كان بالأمس.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى