الرئيسية / مقالات / محمد سمير ندا يكتب: رسول الحياة ولعبة الموت بين الخمايسي وساراماجو

محمد سمير ندا يكتب: رسول الحياة ولعبة الموت بين الخمايسي وساراماجو

كتب: محمد سمير ندا

الكتابة عن رواية لأشرف الخمايسي، مع حفظ الألقاب ومراعاة الفوارق الأدبية، أمر شائك، ومُجهد في العموم، ولكنه حافل بالمتعة في نهاية الأمر، فما أعذب أن تتناول رواية لكاتب يدور في أفلاك مغايرة لما تحلق فيها قرائح باقي الكتاب، ذلك دون الانتقاص من أحد، ولكن الواقع، أن الخمايسي يعيش -أدبيًا- في عالمٍ مواز، لا تتقاطع دروبه ومسالكه، ولا مفرداته، مع شعاب العوالم الأخرى، وربما لا يشاركه في تلك الخاصية الفريدة، سوى القِلة من كُتاب العرب الأحياء.
أستهل كتابتي عن “ضارب الطبل” بتفنيد ما نشره بعض الزملاء حول التشابه بين ضارب الطبل، ورواية انقطاعات الموت لساراماجو، لأنني شخصيًا، أجد أن الفارق عظيم بين حياة تبدأ بمعرفة موعد نهايتها، وحياة تومض لك مُخبرة بموعد نهايتها قبل وقوعه بأيام، في ضارب الطبل، الخيال طيّع لدرجة تحرره من كل القيود؛ فكيف تكون الحياة إذا عثر الناس على ميقاتها؟ ساراماجو تحدث عن أهمية الموت، ووجوب وقوعه وسريانه كركيزة من ركائز الحياة، ساراماجو أظنه حقّر من شأن الإنسان، وأسقط عنه أقنعة العظمة والهيبة، أما الخمايسي فهو يحارب الموت، ويعلي من قيمة الإنسان، ويتصور إمكانية الخلود عبر الهروب من مجهول الموت الذي أمسى معلومًا باختراع الجهاز، مشروع الخمايسي الروائي يدور في مدارات الموت والخلود، هو نفسه قال بعد رواية انحراف حاد، أن فكرة الموت والخلود ستفرض نفسها على الروايتين القادمتين، مما يعني أن روايته القادمة، ستواصل مناقشة فكرة الموت والخلود، في ثوب مغاير بالتأكيد، لذلك، فأنا أظنه يسير في اتجاه رسمه لنفسه منذ البداية، ولا يكرر نفسه.
تتشابه العوالم الروائية بين منافي الرب وضارب الطبل، ربما لم أقرأ الصنم، ولكن التشابه صحيح كما أجمع أغلب القراء والكتاب والروائيين، كما أنه صحيح كذلك أن بيئة المهد والمعاش تفرض نفسها على قاموس الخمايسي اللغوي، وتقتحم عوالمه الكتابية، التي أظل أراها متفردة، ولكن خلاف تلك المتشابهات الشكلية، يظل التشابه الجلي بين أعمال الخمايسي كافة، هو المناقشة المستمرة حول الموت وفرضية الخلود البشر، وهو أمر يقصد الرجل مناقشته ويجهر بذلك، ولا أرى التشابه في الشخوص والأحداث والبنية، فقط يبدو الأمر متشابهًا، لأن كل الأبطال يطوفون دون كلل في مدرات الموت.
إذن فلنترك الخمايسي، ونعود لضارب الطبل، رغم صعوبة الأمر، إذ أنني أزعم، أن الخمايسي هو ذاته ضارب الطبل، المُصر على مواجهة الموت في كل رواياته حتى الآن، الهارب من المعلوم إلى براح المجهول، والمُجاهر بعداوته الواضحة تجاه الحقيقة الأكثر رسوخًا في هذه الدنيا؛ الموت.
نحن أمام فيض خيال، يطوف حول نواة الفكرة، وكل حكي بالأساس فكرة، والفكرة هنا تفيض بالكثير، فالناس أصبحوا على اختراع يحدد لكل وليد تاريخ وفاته! وأضحى كل إنسان يحدد أمور حياته وفقًا لميعاد الموت المحدد له مُسبقًا، وبذلك، يبقى الموت، في شتى مناحي الحياة، في أكثر مظاهرها صخبًا وابتهاجًا، حاضرًا، كضيف دائم لجُل المجالس والمحاكي، فهو يقبع في طيات لفافة تلف رضيًع بعده يطلق أول صراخاته، يتجسد في أنفاس “الجوزة”، ويطرق أبواب الأعراس، ينام في أسرة المقهورين، ويجتث الأحلام من صدور الحالمين، ويجوب بين البيوت كتذكرة لا تنتهي، لذلك كان وجوبيًا، أن يظهر في قصتنا، شخص كضارب الطبل…
وكما أسلفت، فإن ضارب الطبل هو الخمايسي نفسه، قالب المعدول، المتفلسف، الذي قادته حكمته إلى خرق الأطر، وتحدي جهاز قياس العمر، والهرب إلى فيافي الصحراء، ذلك الُمذكر الجوال، الرحال بين واقع وخيال، ليؤكد صحة الفكرة، ويؤطر نتاج الثورة على المألوف، وتحدي الساسة، يقرع الطبل ليهدي الأفئدة إلى صواب السبيل كما يراه ويريده، يدلهم إلى حياة الخلود التي يشتهيها، يذكرهم، يغويهم بالهرب، ويدعوهم إلى التحرر من الموت، بصفته وهم، دخيل على واقع لا حقيقة فيه سوى خلود البشر خلود الفراعنة.
الأسماء تأتي ثلاثية كالأوراق الحكومية الرسمية، وهنا أجد أن الخمايسي قصد أن يحول كل الشخوص إلى عبارات طويلة ممطوطة ذات ثلاث كلمات، ككناية عن النمطية والتشابه وانعدام القيمة في نظر الحكومات، كل شخص هو مجرد اسم في السجلات الحاوية لتواريخ الميلاد والوفاة، لا شيء يميز اسمًا عن الآخر، فقط هي التواريخ التي تقرر المصائر، ربما كانت “خضرة” هي الوحيدة التي تكرر ذكر اسمها منفردًا في أكثر من موضع، ولهذا دلالة أخرى. فالجنس هنا هو الحياة، هو الغاوية المتصابية، الخضراء، التي تمتص أعمار المنتظرين حال انتظارهم لساعة الموت، الجنس أيضًا رمزي، خاصة فيما يخص الصورة الفانتازية للخواجة عراق، الأمريكي المنكوب بوفرة عطايا الله، وهو كذلك حين يطل بوجهه السوداوي، في نهاية “عبد العليم سيد أحمد”، وفي مأساوية حكاية “العمراني محمد إمام”، وأيام “طه عبد العليم سيد” المعدودات الذي عاش في عام ما لم يعشه أي من أبطال الرواية في كامل أعمارهم، الجنس هنا يتجلى كأمل دنيوي بائس في التشبث بالحياة حتى آخر زفير يهجر الصدور بغير عودة.
توقعت أن يتعرض الخمايسي لموجات متنوعة من النقد، وهو ما قد حدث بالفعل، لعدة أسباب، أولها سيدور حول وفرة المحتوى الجنسي بين دفتي روايته، ولكنني في هذا الصدد، أنصح كل ناقدٍ -وأنا أقر هنا بأنني لا ناقة لي في النقد، ولا جمل لي في مسالكه- أن يتحسس الرمزية في النص الجنسي، بذات الاهتمام التي يتلقف بها المفردات الجنسية الواردة في الرواية، فالجنس هنا يتسرب إلى مشاهد الرواية في إطار سوداوي كئيب، يجعله في منأى عن استثارة الغرائز، واستحضار الرغبة في نوال الملذات.
ولكنني بدوري، كان هناك ما يحبطني في أوراق ضارب الطبل، فها هو الخمايسي يعود قرب النهايات، للقرآن، بعدما سن محاكاة -بعض- الآيات القرآنية كمُفتتح لمقطوعات السرد، التي تركها تنهمر كشلال أبى أن يقاطعه بفواصل الفصول التقليدية، مفضلاً أن يظل كتابه، كتلة واحدة من الحكي، لا تستوقفها الصفحات البيضاء، بما فيها من مساحة من خيال مضاف قد يمنحه الفراغ للقارئ، هو يصر على أن يمنح المتلقي كتابه كما هو، تمامًا كما هو الحال بالكتب المقدسة! فها هو الخمايسي يستهل المقطع بقوله: “ت ن ه د ت، تنهدت،…”ثم ينطلق فوق صهوة حروفه كفرس بلا لجام، ولكنه في النهايات، كما ذكرت للتو، يعود الخمايسي للقرآن، فيغوص بين آياته، يستنطقها بما يوطد فكرته، يستجلب من بواطنها الحق البيان كما يريده، لينزع عن طرحه ثوب الكفر بالمُسَلّمات، ويمنحه رداءً شرعيًا سليمًا، وهنا سيتوقف البعض، ممن أهداهم كتابه واصفًا إياهم بـ “هواة التحليق”، ليستنكروا على المؤلف دحض خياله الجامح، وتلجيمه بالاتساق مع المقدسات، بعدما استعذب القراء ذلك التحليق غير المشروط، بعيدًا عن سماوات المنطق، وخلف كل أسوار العقل. سيسقط هؤلاء من فوق صهوة خيالهم، إلى واقع لصيق بالأرض، وهنا -حال العودة للمنطق، أو ربما مَنْطَقة الخيال- سوف يستوقف هواة التحليق، صرير بوابات الخيال، إذ تنفتح مرة أخيرة، ليعود الفارس والجواد، للتمسح في جدران المنطق، والخشوع أمام أبواب المقدسات، وتلك هي السلبية الكبرى التي رأيتها في ضارب الطبل.
ربما يصعب على القارئ العربي إيجاد رواية أخرى، تجمع في صفوف هجّائيها وناقديها، كما أتوقع، من يتهم الكاتب بالانفلات، والتجديف والتحريف، والأصولية في ذات الوقت، ولكن هذا هو الخمايسي لمن يعرفه، شخصيًا أو روائيًا، أو حتى عبر نوافذ العالم الأزرق، طاقة ضجيج معظمها يطرب ولا يزعج، وهدير حكي ينساب فلا تقاطعه الطبيعة بأي من صورها…
سوف يتعرض الخمايسي، للكثير من موجات الهجوم، سواء من داخل الوسط الأدبي، أو من خارجه، أستطيع أن أفهم دوافع البعض ممن يصدمهم رأي الخمايسي في أمور عدة، وأظن بنفسي المقدرة على استيعاب نقمة من يستكثرون عليه العبور عبر ممرات حياتية متباينة، يعلق في شباكها أغلب عابريها، فلا يعبرون، ولا يعودون، وربما يهاجمه كذلك من يعترضون على الضوضاء التي يثيرها أينما مضى، وحيثما حل، والبعض ممن ألهب ظهورهم بسياط نقده اللاذع، كل ذلك أفهمه، وكلٌ فيما يراه حرٌ لا قيد عليه ولا شرط، ولكن، لا ينبغي لأي منا، معارض أو مخالف في الرأي، أو حتى صاحب ثأر، أن يقلل من هذه القيمة الأدبية، فيمنح الرجل أقل مما يستحق، خصوصًا وهو في ذروة عطائه، كما أظن وأدعي.
من وجهة نظري، بعيدًا عن الجدل المثار حول ألوهية السرد، ومناكفة الخمايسي المستمرة للجميع، فإن “الأستاذ” أشرف الخمايسي في ضارب الطبل، قد رفع “سقف” الإبداع الروائي، وقرع طبوله عاليًا كما لم يفعل في سوابق رواياته، قبل أن يهتف عاليًا: هل من مبارز؟
السؤال جدير بصاحبه، والإجابة تقف عارية مضيئة أمامنا جميعًا، فمن منا يقبل النزال؟
ضارب الطبل، عمل استثنائي جريء، لكاتب استثنائي أجرأ، يُضيف إلى المكتبة العربية درة جديدة، تضاف إلى صدارة روائعها، وهو كما سبقني أستاذنا هشام الخشن في تعليقه، بمثابة عمل يتوجب على كل من يرغب في الكتابة، أن يطالع بنيته السردية، ومفرداته وتعابيره، وعوالمه، قبل الشروع في كتابته الأولى.

عن كُتب وكُتَّاب

شاهد أيضًا

مروة سمير تكتب: «بنات الباشا».. شجن الواقع وسحر الخلاص

بقلم: مروة سمير منذ أن قرأت رواية الجدار لنورا ناجي وأعرف إنها من الأقلام المتميزة، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend