أقلام وآراءقرأتُ لكمقالات

أحمد مسعد يكتب: عندما يشكل الخيال يابسة

بقلم: أحمد مسعد

أحمد مسعد

لكتابة القصة القصيرة خصوصية ومهارة صعبة تختلف كثيرًا عن بقية ألوان الكتابة الأدبية النثرية، لما تتطلبه القصة القصيرة من قدرٍ عالٍ من التكثيف والتخلص من المفردات والتراكيب اللغوية المغرية للكاتب دون الخلل بسياق الحدث أو الغرض الذي تريد أن تأخذنا إليه القصة نفسها..

“طرح الخيال” هي المجموعة القصصية الثانية للكاتب “أحمد سمير سعد” بعد أن سبقها بمجموعة “الضئيل صاحب غية الحمام” وروايتي “سفر الأرجوز” و”شواش”.. لذا، فنحن أمام كتاب لكاتب يحمل تجربة في كتابة النثر ويحاول أن يشكل لنفسه خطًا ومدرسة معينة في الكتابة.

العنوان نفسه يدفعك للتفكير فيما يمكن أن يقدمه لك الكاتب بين دفتي مجموعته التي شبه الخيال في عنوانها بالبحر، وكأنه يريد أن يخبرنا ضمنيًا أننا أمام قدرًا مما جاد به خياله الخصب عليه وعلينا، قبل أن يؤكد في إهداءه أنه هنا لم يكن أكثر من وسيط ينقل عن خيال حر لا يتقيد بأي قيود ليصحبنا في رحلته معه.

تمتاز مجموعة “طرح الخيال” ليس فقط بتنوع موضوعات القصص التي يطرحها علينا عبرها، ولكن أكثر ما استوقفني حقيقة تلك الصفحات التي تشكل بحد ذاتها قصص مستقلة لم يعنونها الكاتب باسم، كما أنها أيضًا يمكن أن نعتبرها مقدمة لما بينها ممن قصص أو حتى اعتبارها كجزر تربط مساحات بحر الخيال الشاسعة هنا بعضها البعض منها “هذه أرض بزغت بعد أن ذهب الطوفان، غير أنها لم تُقد من ماء وطين، هي كزبد يغلي ويفور وينشأ ويفنى.. هي ككل الأرض رفعت أكف الضراعة تسأل خلودًا وزينة وبهاء…” والتي يتبعها قصتي الديكتاتور وتوحد، وأيضًا “هي ندف من خيال لا أكثر، اجتهاد لغوي وتشكيل في الفضاء، لا معنى لها في ذاتها، فقط تحيل وتلغز، بلا قيمة” والتي تبعها بقصتي “الشفيف” و”حقول الذرة” وهكذا حتى نصل إلى القصة الأخيرة “طرح” لم يشكل يابسة والتي أرى أنها بحق تجلي مميز لخيال الكاتب ومحاولته تقديم نص مغاير ربما ينتمي تصنيفيًا لمدرسة الواقعية السحرية ولكن ببصمة خاصة تخص أحمد وحده.

اللغة عند الكاتب سلسة سهلة غير مقعرة رغم أنه يستخدم مفردات من اللغة العربية الفصحى ويمزجها مع ألفاظ مستعربة صاغ مزيجهما دون نشاز وبطريقة تمنح القارئ موسيقى محببة، إيقاع السرد لديه متزن فهو لا يلهث كي ينهي ما يريد إخباره في مساحة القصة الضيقة نوعًا ما، ولا يفرط فيصيب القارئ المحب للقصة القصيرة بالملل، هو يخطو في مجموعة “طرح الخيال” خطوات هادئة ثابتة تقرر حقيقة أن الكاتب يملك في جعبته موهبة حقيقية.

ينتقل بنا الكاتب في قصصه من الديكتاتور الذي لا يشبه أحدًا ويشبه الكثيرين حولنا إلى الشفيف الذي صنع منه الناس وليًا رغم أنه لم يملك يومًا معجزة، قبل أن يغوص بنا في حقول الذرة الأسطورية فنخرج منها لنجد أنفسنا أمام بلاء صاب جميع سكان البلدة، وهكذا؛ واحدة تلو الأخرى لتجد نفسك أثناء قراءة قصص المجموعة مشدودًا نحو القدرة المميزة للكاتب على خلق عوالم مغايرة تمامًا من أشياء مألوفة للغاية؛ سواء كانت في المدينة أو القرية.. يبني مدينة خياله الخاصة من تفاصيل صغيرة لا يراها بشكل مختلف سوى مُبدع حقيقي.

“أكتب كي لا أكون وحيدًا، كي أمرر الوقت والمأساة، أكتب لأخلق ملهاتي الخاصة وقطع بازل تخصني ومدينة ملاهي يبتسم فيها الجميع، أكتب كي لا أنكسر وأسقط وقد جرجرتني عجلات القطار تحتها، أكتب كي أسخر من العالم، كي أدعي الانتصار وأحتفي به وكأنه حقيقة وواقع، أكتب كي…” المقتطع السابق كان من الصفحة الأخيرة لقصة “طرح” لم يشكل يابسة ختام المجموعة القصصية “طرح الخيال” أحد أفضل المجموعات القصصية التي قرأتها مؤخرًا، كتابة مغايرة للسائد رحلة ساحرة لكاتب شكل من خياله الخصب أرضًا يابسة صلبة يبني عليها فنًا وإبداعًا ومتعة حقيقية.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى