الرئيسية / مقالات / أحمد الفران يكتب: المجري «ماكس هرتز» وقميص الفيل الأزرق وصلبان مسجد الرفاعي

أحمد الفران يكتب: المجري «ماكس هرتز» وقميص الفيل الأزرق وصلبان مسجد الرفاعي

بقلم: أحمد الفران

وسط أسرة يهودية ولد بالمجر وأكمل دراسته برومانيا والنمسا ومنها إلى إيطاليا، لتبدأ شهرته بوطنه الثاني مصر، فيطرد منها إلى إيطاليا ليموت بسويسرا ويدفن بإيطاليا.

في عام ١٨٨٥ كان مسجد الرفاعي قد ارتفع مترين فقط عن سطح الأرض وتوقفت عملية البناء تماماً بعد وفاة صاحبة فكرة إنشاء المسجد “خوشيار هانم” والدة الخديوي إسماعيل، واستمر توقف عملية البناء لما يزيد عن ٢٥ عاماً حتى قرر حفيدها الخديوي عباس حلمي الثاني إكمال عملية بناء المسجد وعهد بها إلى المعماري المجري اليهوديهرتز!.

مصطفي بك شمس الدين يمتلك قميص سحري عمره يزيد عن ٤٠٠ عام مزخرف بالتمائم والأحجبة الشيعية كان يرتديها أمير مجهول ودمائه بكل أنسجة القميص، إلا أن مصطفى بك كان يرغب في التخلص من القميص بأي ثمن، ولا أحد يدري لماذا؟. وفي نفس الوقت لا يجد المشتري، حتى ظهر هرتز باشا ليشتري القميص بـ 5 جنيهات، ويضمه إلى مقتنيات المتحف الإسلامي، ليبقى القميص محفوظاً ويعجز الأثريون عن فك طلاسمه، ويتحول القميص ليكون اللغز والحل في رواية الفيل الأزرق للكاتب الشاب أحمد مراد.

 

حينما وقف هرتز بساحة السلطان حسن وأمعن إلى مآذن العصور الوسطى الشامخة وفي خلفيتها عمائر القاهرة الخديوية الجديدة مرتفعة شاهقة، لتشكل لوحة فنية تمثل مزيجاً من تداخل العصور في مصر، وبجوارها حوائط لأساس مسجد مهجور لا يزيد ارتفاعه عن مترين فقط، هنا، قرر فرنز أن يستلهم روح عمارة القرون الوسطى المملوكية ويمزجها بلمساته المعمارية التي أضفت على المسجد كثير من علامات الدهشة!.

للوهلة الأولى حينما تقع عيناك على مسجد الرفاعي تزداد الدهشة لديك من الصلبان التي تزين واجهته، وتمتد الدهشة داخل المسجد بوجود قبر جنانيار هانم شقيقة ديلسبس وزوجة إسماعيل باشا، والمصمم على طراز العمارة المسيحية ويعلوه صليب أسفله آيات قرآنية، إذ يرى الكثيرون أن الصلبان المنتشرة بمسجد رفاعي كانت مكراً من هرتز باشا.

حكايات كثيرة ومتداخلة كان بطلها “ماكس هرتز باشا” تلك الشخصية المتفردة في تاريخ مصر الحديث، فعلى الرغم من حداثة سنه لعب دوراً بارزاً في حفظ وحماية الآثار المصرية بل وتشيد وتزين المباني التراثية الهامة في مصر مثل مسجد الرفاعي بالقاهرة وكذلك مقر الجامعة الأمريكية بالتحرير، وأيضاً حماية قلعة قايتباي من الانهيار بالإسكندرية، وأول من ساهموا في حماية التراث القبطي.

شرق وغرب
في ١٩ مايو ١٨٥٦ ولد ماكس هرتز بمدينة أوتلاكا المجرية “مدينة غرانيسيري برومانيا حاليا” في أسرة يهودية متوسطة الحال، إذ كان والده يعيش على الزراعة، بدأ دراسته الابتدائية والثانوية بمدينة تيميشوارا الرومانية، وعلى يد المعماري الشهير هوسمان تعلم فنون العمارة في مدينة بودابست حتى ١٨٧٧، ومنها إلى فيينا ليكمل دراسته المعمارية حتى عام ١٨٨٠، أنتقل بعدها إلى إيطاليا والتي منها بدأت رحلته إلى مصر.

شأنه شأن كثير من الأجانب الذين استقبلهم الجهاز الإداري بالدولة المصرية والذي كان يجذب مختلف الجنسيات للعمل به، وما يجدونه من فرصة عظيمة للترقي داخل هذا الجهاز الإداري الضخم، وبدأت أولى خطوات هرتز بمصر بالعمل بالمكتب الفني لوزارة الأوقاف المصرية عام ١٨٨٠.
استمر هرتز بالتدرج الوظيفي داخل وزارة الأوقاف، حتى ساعده المعماري الألماني “يوليوس فرانز” أول رئيس لدار الآثار العربية إلى الانضمام إلى عضوية لجنة الآثار العربية التي شكلها الخديوي توفيق عام ١٨٨١.
وفي ١٨٨٨ تولى هرتز إدارة دار الآثار العربية “المتحف الإسلامي فيما بعد” بشكل غير رسمي خلفاً ليوليوس فرانز الذي أحيل إلى التقاعد، وفي عام ١٨٩٢ صدر الأمر الخديوي بتعينه مسئولاً عن دار الآثار العربية، وفي عام ١٩٠٢ أصبح للمقر الجديد للدار والذي صممه المعماري الإيطالي ألفونسو مانيسكالكو (تغير الاسم إلى المتحف الإسلامي عام ١٩٥١).

حامي الآثار القبطية والإسلامية
يستحق هرتز عن جدارة لقب “الرجل الذي أنقذ القاهرة” وذلك عبر ٣٤ عاماً من العمل المتواصل في حماية وحفظ وتوثيق الآثار الإسلامية والقبطية، ومن خلال لجنة الآثار العربية لعب هرتز دور متفرد في حفظ الآثار المصرية، حتى أصبحت معظم الآثار الباقية حتى يومنا هذا، تدين بالفضل في بقاءها إلى هرتز باشا.
قائمة طويلة من الآثار الإسلامية والقبطية كان لهرتز الدور الأبرز في حمايتها وحفظها وترميمها وتوثيقها منها (قلعة قايتباي– مسجد الأقمر – مسجد السلطان برقوق – مجموعة قلاوون بشارع المعز – مسجد السلطان حسن – المسجد الأزهر – كنيسة القديس أبو سيفين مرقوريوس – كنيسة القديس أبو سرجة – كنيسة القديسة بربارة…).
وهنا لا يمكن إغفال دور لجنة الأثار العربية التي شكلها الخديوي توفيق عام ١٨٨١ لحماية الآثار الإسلامية بعد موجة من التدمير التي أصابت معالم التراث الإسلامي على أثر مشروع التحديث الذي أطلقه الخديوي إسماعيل، استطاعت خلالها اللجنة حماية الآثار الإسلامية والقبطية بفضل نخبة من العلماء والمهندسين المصريين والأجانب واستمرت في أعمالها حتى ألغيت عام ١٩٦١.

بين مصر والمجر
اشتعلت الحرب العالمية الأولى وأجبر هرتز على الرحيل من مصر كراهية بعد أن قضى بها ٣٤ عاماً، من أجل الاحتفاظ بجنسيته المجرية التي طالما يفتخر بها، والتى تركها وهو في العقد الثالث من عمره طوعية، ولم يكن يتوقع أن يبتعد عنها طيلة حياته، إلا أنه ظل مرتبطا بها ارتباط وثيقا، فقد زار بلده الأصلي عدة مرات حتى وفاته، وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى كان يمكن لهرتز أن يتنازل عن الجنسية المجرية ويحصل على الجنسية المصرية بكل سهولة ويبقى في مصر إلا أنه فضل الرحيل عن مصر بدلاً من التنازل عن جنسيته.
وعلى من أنه اعتبر مصر وطنه الثاني بحق، إلا أن ذلك لم يقطع صلته بوطنه الأم أبداً، ولم تؤثر سنوات الاغتراب في تلاشي ذكريات الطفولة، بل سعى بشتى الطرق في توثيق علاقته بالمجر من خلال علاقته العلمية مع المؤسسات المجرية مثل أكاديمية العلوم ومتحف الفنون التطبيقية، وتبرع بالكثير من ماله إلى المجر، وأهدى عدد من الآثار المصرية إلى المتاحف بالمجر.
ولخدماته الجليلة كأنت إمبراطورية النمسا والمجر تستعد لتكريمه ورفعه إلى مرتبة النبلاء في عام ١٩١٢، وذلك لخدماته الجليلة وبدأت الحكومة المجرية اتخاذ الإجراءات بشأن ذلك إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال بينه وبين هذا الأمر.
اعترفت مصر أيضا بالدور الرائد لماكس هرتز في حماية وحفظ الاثار العربية، لذا أنعم عليها الخديوي عباس حلمي الثاني برتبة البكوية في عام ١٨٩٥، ثم رتبة الباشوية في عام ١٩١٢.

الغروب
حياة مشرقة جعلها هرتز مليئة بالإنجازات والمغامرات والحل الترحال، إلا أن النهاية لم تكن متوقعة على الإطلاق فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ وأجبر هرتز على التقاعد والطرد من مصر باعتبار أن دولته عدو للسلطات البريطانية، فاختار أن يرحل إلى ميلانو بإيطاليا حيث موطن زوجته وترك خلفه كل ما يملك.
كان عليه أن يختار أن البقاء في بلد محايد من أجل الحصول على معاشه من مصر، إلى أن أجبر مرة أخرى على الانتقال إلى زيورخ بعد أن أعلنت إيطاليا الحرب على مملكة النمسا والمجر في 23 مايو 1915.
بدأ عالم هرتز ينهار بشكل سريع للغاية، وفي الوقت الذي تزداد الحرب اشتعالاً كان الموت المفاجئ لابنه بمثابة الضربة القاضية التي لم يتعافى منها بعد، وتزداد الأمور تعقيدا بمرضه الشديد بالمعدة ليموت أثناء إجراء عملية جراحية بزيورخ في ٥ مايو ١٩١٩.
تنفيذاً لوصيته نقلت زوجته جسمان فرنز من زيورخ إلى ميلانو ليدفن بجوار ابنه في القبر الذي صممه بنفسه في ميلانو، ولحقت زوجته به ودفنت هي الأخرى بجوارهما.

 

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend