التخطي إلى شريط الأدوات
إبداعروايةصدر حديثًامشاركات أدبية

رواية «نهاية الأيام» الحلقة الـ «3»

بقلم: أكرم إمام

نهاية الأيام

«الحلقة الأولى»

«الحلقة الثانية»

«الحلقة الثالثة»

“عائلة مجنونة”

(5)

أكرم إمام

طلب اللقاء في عيادة شهيرة بوسط القاهرة، يبدو شابا علي أن يملك مثلها. استقبلتني فتاة ثقيلة الظل. انتظرته حتى جلسنا في مكتب ضيق في الرواق. يبدو أنه استلمه حديثا بالعيادة.
– كان يعاني من اضطراب نفسي.. صحيح؟.
– من؟
– “عبد المنعم” بالطبع.
ابتسم هو:
– هذا ما كان يظنه.
اعتدل ورسم دائرة على سطح المكتب بإصبعه، وقال:
– المشكلة أنني انا الذي لا يعرف من أين يبدأ.
– أخبرني بالمصيبة مباشرة.
فكر للحظة، وعاد ليقول:
– لا اعرف إن كانت مصيبة ام لا.. “عبد المنعم” كان بالفعل يظن أنه يعاني من اضطراب نفسي. عرفته منذ عامين تقريبا. كنا وقتها نجرب طريقة علاجية جديدة بالاستشارات النفسية عن بعد من خلال الانترنت. راسلني بالأشياء التي يراها. مشاهد قوية يراها رأي العين على شكل ومضات وكأنها حقيقية. يسمع أشخاصا.. عن علامات في السماء.
– لا أُخفي شكي في هذه العائلة منذ البداية.
رفع حاجبيه:
– بشأن ماذا؟.. أعراض مثل هذه؟.
ابتسمت:
– ليس بالأمر المهم.. ما علينا. أكمل من فضلك.
– أخبرته أنني احتاج لمقابلته.. كنت أريد تشخيصا فسيولوجيا. هذه الاعراض ليست بالضرورة لسبب نفسي، فقد يكون بسبب عضوي.
– ونتيجة الفحص؟.
– للأسف لم يأت.. كان هناك موعد للقاء المجموعة التي كنت اتبع معها طريقة العلاج هذه، لكنه رفض الحضور. أو لنقل انقطعت أخباره لفترة.
– جبان!!.
لم يعرف بماذا يجيب. مرت دقيقة خاوية من أي تفاصيل. حتى قال:
– أعاد بي الاتصال مرة أخرى بعد عام أو أكثر.. كان يبدو خائفا إلى حد الذعر، والتفكير بالانتحار. تحدثنا وقتها لأكثر من ساعة هاتفيا. عرفت أن الفتي لن يفعل.. المنتحرون لا يتحدثون كثيرا. هم يقررون في لحظة، ويفعلونها في لحظة. من هم مثل “عبد المنعم” فقط يحتاج للمساعدة لحظة ضيق.. يخبرنا أنه يريد أن ينتحر، ليخبرنا كم يحتاج إلينا.
لا اعرف لماذا سقطت دمعة.. مني انا بالطبع. شعرت ناحية “عبد المنعم” بالشفقة.. ربما لأول مرة. لم يخبرني بأي شيء، كان يبدو طبيعيا عدا جديته الزائدة، وقلة حديثه.
احترم تأثري للحظات. حتى قال بابتسامته التي يختم بها كل عبارة:
– أنتِ شجاعة. فتاة مثلك إما قد جنت أو فقدت أعصابها نهائيا.
بادلته الابتسام بصعوبة:
– سأفعل لو زاد الامر عن حده قريبا.
انتبهت لنقطة:
– تقول أنه لم يأت للفحص، ما الذي يجعلك على يقين بأنه ليس لديه اضطراب ما؟.
بدا كأنه يتذكر:
– اللقاء الذي أخبرتك به كان ليلة رأس السنة منذ خمس أعوام تقريبا. “عبد المنعم” لم يحضر.. وأخبرني ببعض تفاصيل لا أعلمها الا أنا. كان هذا في آخر اتصال بيننا. ود أن يثبت لي فيه صحة أمر المشاهد التي يراها.
تقلصت الاحشاء، وأنا أتمتم متوقعة نهاية أكثر سوادا:
– مخاوي؟!.
ضحك.. يبدو أنه قد مر بتلك الأشياء ولديه خبرة ما:
– ليس بالضبط.. رأينا أغرب من هذا في حالات الباراسيكولوجي. هي حالات مسجلة علميا بالفعل.
كان يبدو أن هذا كل ما في الامر.. الامر؟.. يزداد تعقيدا، ظننت أن اسم “علي” سيحمل خيرا، لم يقدم جديد، يتحدث عن خوارق.. يتحدث عن فقرة الساحر على طريقة العلم والايمان.
صافحني بجدية:
– رقمي معكِ.. اتصلي بأي وقت.
بذلت جهدا كبيرا لأشكره على ما قام به، ولم يفد بشيء في الواقع. حتى استوقفني بغتة:
– بالمناسبة..
التفت له.. كان جالس كما هو، يرسم بإصبعه نفس الدائرة على سطح المكتب من جديد، وهو يقول:
– ألم يتحدث معكِ عن “النهايات”؟.
وددت لو قلت له: “نهايته سوداء بإذن الله”.
– نهايات ماذا بالضبط؟.
– آخر ما كان يتحدث عنه، هو النهايات القريبة. نهاية كل شيء، وعلامة السماء التي يجب أن تتم.
***

الشاب كان مهذبا معي في العيادة صراحة. لكن هذا لا يفيد. أريد إجابات أشعر معها بالطمأنينة، على الأقل حين يحل الليل هنا في الشقة وحدي. دخلت المرحاض لسبب وبدون لسبع مرات. لم ينطق بإسمي. لم يظهر طيف.. لم يتلون حائط.
هل اكتفى هو بأمر “علي” لأعرف منه حقيقة ما حدث له؟. لا أظنه بذلك النبل!.
حتما الشاب يحتفظ بأوراق.. أي شخص يحتفظ بأشياء يدونها، حتى لو كان أميا!. فاتورة.. ورقة مطبوعة، فرصة لا تعوض لأعرف كم راتبه على الأقل!.
كانت حقيبة واحدة، رُكنت في زاوية في الحجرة. ليست ثقيلة كما توحي. لم أجد عصا سحرية أو مقشة تطير. حقيبة شاب لملم أغراضه من منزله الى شقة زواجه الجديدة. بعض الكتب العادية، ومفكرة.. هذه هي إذا. أول خمسين ورقة لا قيمة لها، محاولات رسم لوردة ولشمس ولمكعبات، على الغلب رسمها في اجتماع ممل بالعمل.
آخر عشر ورقات كانت الأهم. أول ورقتين كانت تتحدث “عني”.
أمسكت بتلابيب المذكرة في لهفة. كان يتحدث عن أول مرة رأى وجهي فيها. يتحدث عن أنه هو أيضا عرف أنني سأكون زوجته. يتحدث عن صفاء روحي.. وعن نبل شخصيتي.
نبل شخصيتي؟!.
صفحة أخرى يحكي فيها عن المشاهد التي يراها، لقطات تسبق حدوثها بساعات.. يتطور الامر معه لتظهر له قبل أيام. أحداث عادية، كمشاجرة أمه مع الجارة لأجل الغسيل. عرف أن أباه تقدم بمعاش مبكر قبلها بأسبوع.. رأه وهو يوقع على الأوراق. يتحدث بعدها عن بحثه عن الحقيقة. قال نصا في عبارة كتبها في أعلى الصفحة في إطار: “البحث عن الحقيقة يُكلف”.
لم يتحدث عن التكلفة.. قال فقط في صفحة أخرى أن الامر أصبح يتعدى هذا. حلما رأه.. شاهد نورا يشق السماء من بعيد.. شاهد كواكب ترتعش والضوء قادم ناحيتها في سرعة. الشمس يزداد نورها، الضوء يحوم حولها في نصف حلقة. ليعود من جديد ليواجه الكواكب. كان ضوؤه يقترب ناحيته في قوة، غشي بصره وفاق من نومه.
يقول أنه بحث أكثر على الانترنت. ناسا لا تقول شيئا. يقول أنه لا يعترف بتفاسير الاحلام، هو يصر على أن هذا مشهدا سيحدث. حتى أمسك بخيط.. عرف أن مذنبا أكتُشف حديثا، قالوا لا ضرر منه، ولن يمس الأرض. المذنب لا يزال بعيدا، لا أحد يعرف حجمه، ولا كيف سيتصرف.. الغرب أنه سيدور حول الشمس بنصف حلقة. ماذا سيفعل بعد ان يدور حولها؟ لا أحد يعرف. لا أحد يتوقع لتصرف شيء يكاد يلامس الشمس. أحدهم قال أن حجمه سيتضاعف ليصبح كألف قنبلة تجري بسرعة الصاروخ ناحيتنا. البعض قال أن المذنب غبي صراحة، فاقترابه من الشمس يعني هلاكه.
ثم صفحة أخرى، يبدو أنه كتبها حديثا، يقول عرف أشياء جديدة، يربطها بالمذنب. عالم فلك متدين في أمريكا اسمه “جيل روزارد”، قال أن هذه هي علامة السماء،كان أول من يتحدث حول النقطة، حتى فتح الأمر شهية علماء آخرون، وهواة صنع مقاطع الفيديو المثيرة.
هو أيضا لم يصدق نظريته في البداية، يقول أن المذنب سيأتي.. سيمر.. سيصحب معه الكوكب المدمر.. وأنها ستكون النهاية. يقول “روزارد” هذا أن الكوكب مر من هنا أكثر من مرة.. كان يأتي كل مرة بالخراب.. بحدث كوني مهيب، حتى أنه ربط بين الكوكب المجهول هذا بطوفان الأرض، وتكوّن القمر في السماء. أشياء تبدو بعيدة وغير منطقية وسمعناها ألف مرة هنا وهناك، ولكن بريقها لا ينطفيء أبدا.
ما علاقة المذنب بكل هذا؟. الكل اصبح يمكنه ربط أي شيء بأي شيء آخر هذه الأيام. لو أراد بائع الفاصوليا أن يثبت أن سعر الكيلو منها بعشرين جنيها، سببه إنهيار جبل ثلجي في القطب، لفعل. الكل أصبح متشكك.. الكل أصبح عالم.. الكل يفهم بواطن الأمور.
المشكلة أن كل يوم تثبت النظرية أكثر. عالم آخر يقول أن المذنب هو أول ويلات الأرض السبع. تمهيدا للمعركة الكبرى. معركة أرضية.. ومعركة أخرى في السماء بين النور والظلام.
ثم الصفحة الأخيرة.. تستطيع أن ترى اليد المرتعشة التي خطت حروفها. الوحيدة التي كتبت بالحبر!. حذروه من الزواج!.
من “هم”؟ لا يقول هنا. فقط ذكر عن السر الذي لم يكن عليه أبدا البوح به. عن أنهم صدموا فيه. يحاولون تجنيده مثل كثيرون لأجل المعركة.
ختم المفكرة بنص كتبه في منتصف الصفحة في برواز جديد: “حين ترون العلامة الآتية ذات الذيل.. فليستعد الجميع. هذا بوق المعركة. حينما يذهب ليدور ثم يعود كالشمس الثانية في السماء. ستبدأ الغيمة. الظلام وقمر الدم. أمطار نار. بروق ورعود. السماء تتجهز. أنت في المعركة لا محالة. لتتم بها النهاية”.
لا تبدو كتعويذة، وإن اوحت بذلك. يتحدث عن مستقبل كئيب يجب أن يحدث. لو إن عُشر ما يقوله صحيح فهذا وحده مخيف.
لخمس دقائق كاملة كنت اجلس كما أن أحتضن المفكرة.. صراحة الجزء الخاص بي كان الاكثر لطفا. وددت لو أعيد قراءته، لكن ما يليه يدفعك للهرب والتفكير ثانية.
أكان الفتي يحبني حقا؟.
عفوا.. هل الحياة فعلا قريبة؟. نهاية ماذا؟، ما يحكيه يشير بوضوح لنهاية الاوقات والازمنة. للاسف ظننت أن هذا بعيدا.
– “فريدة.”
أخيرا.
كدت أن أستدير لباب الحجرة حيث مصدر الهمس.
– “لا تستديري من فضلك.”
– أنت عاري؟.
– رؤية هذه الأشياء بأوان!.
– تمزح يا بتاع سبونج بوب!.
– اسمعى لا وقت.. لا تعرفي كم يكلفني مجرد الهمس لكِ. كل ما عرفتيه حقيقة.. لا شيء سيوقف ما سيحدث، هذا مكتوب.
– خائفة، أين انت؟.
– ” أنا أكثر منك”.
صمت لثواني، وعاد ليهمس:
– “نحاول الفرار”.
– مِن مَن يا “عبد المنعم”؟.
لم يجيب.. ظننته رحل.. همس أخيرا:
– “من المنفيون”.
– هذه هي التكلفة التي تحدثت عنها؟.
– “التكلفة أن أبقى بعيدا عنك.. أنا آسف يا فريدة”.
***

 

الوسوم
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق