مقالات

عمر سامح يكتب: عـن الأفلام والأحلام «1- 2»

بقلم: عمر سامح

Omar Sameh
Omar Sameh

قرأتُ مؤخراً كتاب «الإنسان و رموزه» لعالم النفس السويسرى كارل يونج (1875-1961)
وهو – أى يونج – ليس مجرد طبيب مرموق تتلمذ على فرويد وتأثر بأفكاره لفترة ثم اختلف معه فاشتق مساراً مستقلاً، خلَق بِهِ لجهود كل المهتمين بعِلم النفس فى العالَم أفقاً جديداً، و ليس فقط مؤسس مدرسة علم النفس التحليلى، لكنه بالتوازى مع ذلك قارىءٌ عظيم، ومثقّفٌ كبيرٌ ذو خِبرةٍ موسوعية مدهشة، وصاحب رؤى هامة و مؤثرة فى مجالات بالغة التنوّع: من الفيزياء والخيمياء إلى الفلك وعلوم الاجتماع مروراً بالفلسفة الغربية واللاهوت وصولاً إلى الفنون والآداب.
كما أن فى الجزء الأول من الكتاب – “مقاربة العقل الباطن” – يظهر جلياً الاهتمام العميق الذى يُولِيه يونج للميثولوجيا ونشأة الأساطير والبقايا البدائية القديمة ومحنة الإنسان المعاصر. لكن هذه المسارات على اتساعها تتفرع كلُّها من مركزٍ أساسى تنطلق منه وتعُود إليه، هو محاولة فهم الرموز والرسائل القادمة إلى سَطح وَعيِنا من لاوَعيِنا السحيق عبر ساعى البريد السحرىّ العظيم:
الأحـــــــلام.
يستفيض الكاتب ويتعمّق فى تناول المسألة من أوجهها المختلفة، مُنبّهاً القارىء باستمرار إلى صعوبة ومراوغة وعُمق البحر الذى يسبحا فيه – أى أسرار النفس البشرية. لكن ما أجِدُه جديراً بالاستخلاص من هذا البحر ويتسع المجال لذِكره هنا، هو توضيح مدى أهمية الأحلام
يُخبِرُنا يونج “إن وظيفة الأحلام الأساسية هى أنها تحاول أن تعيد لنا توازننا السيكولوجى وذلك بإنتاج مادة حلمية تُعيد، بطريقة ذكية، تأسيس المعادلة النفسية بكاملها”
ليس ذلك فقط ، بَل إنه يلفت نظرَنا لقدرة الأحلام التنبؤيّة :
إذ يمكن لها “أن تعلن لنا أحياناً عن مواقف معينة قبل أن تحدث عملياً بزمنٍ طويل – ليس من باب المعجزات ولا الإدراك المُسبَق، لكن لأن كثير من أزمات حياتنا تكون ذات تاريخٍ لا شعورىٍ طويل”
ثم إنه يحذّرُنا من التعامل بسذاجة مع الأحلام. إذ أن ” منشأها هو الروح التى ليست بشرية تماما بل هى بالأحرى نفحة الطبيعة – روح إلهة الجمال و العطاء و كذلك القسوة ”
هذه النفحة – لغة الأحلام – هى إحدى الوسائل الهامة المنبعثة من داخلنا التى تحاول إنقاذنا ولو قليلاً من أهوال حياتنا اللاإنسانية المعاصِرَة “التى هى أشد خطراً بكثير من تلك التى عزاها البدائيون للأبالسة والشياطين” ، لأننا فى حياتنا الحضارية أصبَحنا مرضَى الانفصام الكامل بين عالمنا الباطنىّ وحياتنا الخارجية، فقد ” جرّدنا معظم الأفكار والمشاعر والخواص النفسية، وكذلك الأهواء و الأخطاء والأوهام والرغبات من شحنتها العاطفية، فكففنا عن الاستجابة لها استجابة حقيقية بعقلنا الواعى” حتى صارت غريبة عنه و عنّا – مجرّدة من مضمونها الحيوى وغِناها القديم، غير قابلة للنفاذ إلى أعماقنا أو قادرة على تغيير مواقفنا وسلوكنا.
يختم يونج كِتابَه –و رسالته الإنسانية بشكل عام – إذ كان هذا آخر ما كتبَه فى حياته ونُشِرت طبعته الأولى بعد وفاته بثلاثة أعوام – بالتأسف على الخسارة الكُبرَى للإنسان المعاصر: خسارة النفس البدائية. ثم لا يبدو متفائلاً بواقع أو مستقبل ذلك الإنسان الذى ” تعانى أديانُه الكُبرَى من فقر دمٍ متزايد، لأن المعانى المقدسة التى كانت تحملها الغابات والأنهار والجبال والجبال قد تخلّت عن تلك الأديان إلى الأبد، كما أن “الرجال – الآلهة قد اختفوا تحت السطح و إلى أعماق اللاشعور”. إن حياتنا المعاصرة يسيطر عليها إله يُدعَى العقل، الذى هو ” أكبرُ أوهامنا وأشدها مأساوية” .
انتهيتُ من القراءة، لتبدأ محاولتى استيعاب الرسائل الهامة للمصدرَيْن: الكتاب والأحلام. لكن ما فاق قدرتى على الاستيعاب حقاً هو أنى– فى نفس السياق الذى كنت أقرأ عنه – وفى توقيتٍ متزامن (الأسبوع الأخير من القراءة – واليوم الأخير)، وبشحناتٍ ليست هيّنة من التأثير – تلقّيت رسالة أُخرَى، أو قُل هى امتداد للأُولَى، لكن من مصدرٍ آخَر خارجىّ هذه المرة – دون أى تخطيطٍ أو سعىٍ أو إرادة واعية – فكأننى تلقّيتُ لعبة ماتروشكا روسية: لُعبة داخل لُعبة أو رسالة داخل رسالة.
سَمِّ ذلك المصدر عجائب المصادفات، أو حكمة الأقدار، أو هِبَات الحياة – كما تشاء، المهم أنه أراد لى أنُ أكمل الأفكار المقروءة بوسيطِ آخر هو الصورة المرئية، من خلال مشاهدتى لفيلمَيْن رائعَين، سأحدثك عنهما المقال القادم بإذن الله.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى