إبداعقصةمشاركات أدبية

«آخر الغيث»

قصة: عمر سليم

 

(1)

في مواسم هجراتنا إلى الأراضي المطيرة كنت أتلكأ، انسل من بينهن هانئة بتماسك ذرات الماء وندف الثلج الصغيرة، لكنهن يدفعنني ويركبن فوقي. تصطف البلورات الثلجية الحامية لتفصل بيننا أثناء الطيران، والقطرات بالداخل تتهيأ للرحلة، ترتب نفسها طبقات، وتتفق على نقاط الالتقاء، ثم تتكاثف داكنة تودع بعضها بالأحضان والقبل.
ومن بين القطرات القديمة، التي لها باع في عمليات التكثف والتسييل تلك، اخترنا قطرات أنيط بها إرشاد البقية، وسمين بالأدلة، وهن يبدأن بالهطول، كأنما ليصفوا الفضاء ويفتحن مجالا للجود من ورائهن.
تنسل مني القطرات، مفعمة ببهجة الانفلات والانعتاق، ويهتاج فيها الطرب فتغني وتصفق في اندفاع طيرانها، ويهيأ لها أن العالم كله ملكا لها. ثم إنها تتقارب قبل الهبوط، كي لاتضل إحداهن.
عند المنحدرات، وفي اندفاعات الأنهار، وعلى أراض موحلة تدوسها الأقدام، أو بين الحشائش الكثيفة تشعر بعضها بالضياع، لكن القطرات الأدلة يألقن فجأة في الجومن العدم، يتقافزن هنا وهناك، فتطمئن القطرات الجزعة، وتتقارب من جديد.

 

(2)

القطرات الأدلة تعلمنا أسمائنا، نكون في البداية نشئاً، ثم ننسحب في الهواء سحابا، ثم تدين لنا السموات فنكون غيما، ثم إننا نمطر.
نحيي الأرض الميتة فنكون مطرا حياء.ً
نلبي العطش فنكون غيثا.ً
نروي دون انقطاع فنكون جوداً.
القطرات الأدلة تحفظ أسمائنا، وأسماء المدن والغابات والأنهار والمحيطات. وتحفظنا.

 

(3)

في مواسم هجراتنا تلك، تمكنت مرة من الافلات، اتجهوا إلى الغابات جنوبا، وسبحت شرقا، وحيدة في زرقة لا نهائية، جزلة بسموات لم أراها من قبل، القطرات تدندن سعيدة بالهروب. والأرض تحتي تتبدل في كل لحظة.
خرست فجأة وقد وجدتني أوغل في الصفار، انبساطات وارتفاعات صفراء مكفهرة، تكشر في صمت، والسماء غابت زرقتها.
استكنت تماما، باتت القطرات عاجزة عن الحركة وتملكها خوف من المجهول المحيط، أين ذهبت الأدلة؟ ارتعش الصغار وراحوا يتقاربون أكثر فأكثر في وجه العواصف الرملية، ويدكن لونهم، ومن ورائي كانت العفرة قد غطت الطريق الذي شققته لتوي.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى