مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: «سباعية العابر»

بقلم: أحمد جاد الكريم

نوفيلا التفاصيل، بنكهة القصة القصيرة
قراءة في رواية سباعية العابر للكاتب حسام المقدم

أحمد جاد الكريم

تظل مقولة «ليس أكثر حكمة من حكاية تُحكى جيدا» هي الأكثر تعبيرا عن أي رواية محبوكة بإتقان، منسوجة بأريحية، مكتوبة بلغة سردية عذبة.
تفاصيل صغيرة، في حياة مواطن عادي جدا، ربما تجد مثله في كل شارع في مصر، لكن التقاط تلك التفاصيل في حياة هذا المواطن، هو الذي يخلق منه شخصية تستحق أن تسكن في رواية، وتتحمل عبء بطولة الأحداث، إنه فهمي السيد عبد البر.
ترنيمة ضد المادة والقسوة والعدمية، ترنيمة تناغي حمامات بيضاء ترفرف في سماء ناصعة الحياد، فهمي الذي يرحل مع صوت إمام المسجد، يغادر إلى موسيقا السحر الأسطورية، تهيم روحه في عوالم لا تخص دنيا البشر، يشبه فهمي، ذلك الطفل الذي رأى طائرا جميلا فتتسلل وراءه، أخذه الطائر إلى أرض العجائب والغرائب، وهبه الطائر ما لا يمكن للخيال أن يهبه لبشر، فهمي رأى الموسيقا، لم يسمعها فقط، تبعها، وصعد معها إلى عالمه الخاص.
«في إحدى الصلوات بالمسجد، شرد ذات يوم بعيد مع صوت الإمام القارئ بنغمات سحبته وراءها إلى موسيقى تشبه حفيف أشجار أسطورية. شاهدَ خط الموسيقى الحلزوني الملون وهو يتلوى صاعدا من النافذة المجاورة لرأس الإمام. بقي واقفا غائبا، ليفيق على دَفعة ثقيلة في ظهره تأمره بالسجود الذي تأخر عنه، فانكفأ في الفراغ»
لكن تظل روح فهمي، حبيسة جدران معتمة، ربما تمثل جسده، لكن في محاولاته العاجزة للتحرر- التي كانت تتم في صمت – وكأنما يحادث نفسه، كان يزيد من صلابة تلك الجدران، فهمي حبيس الأوهام، والأحلام المبتورة والموؤدة، يلوكها كل يوم، ويشدد على نفسه الحصار بازدراد ما لم يمكن تحقيقه.
ظن فهمي أن الخلاص يحتاج إلى عدة أيام، اختار العدد 7، لما ينطوي على أسرار عدة، وكأنها روحه تحتاج لإعادة خلقها من جديد، هذه الروح تماثل العالم، وتحاكي ما فيه من صراعات، ربما تقتتل الأماني داخله، تعذبه من أجل إعلان نفسها، بدأت سباعية لتجديد رحلة ذلك الكائن الفاني، لكن كان لا بد من تلك الرحلة ليتأكد العابر من حقيقة فنائه الحتمي.
ما بين شبيه فهمي والولد في كتاب الدين وسيرة الجبالي المكتوبة بلغة تراثية جبرتية ورجاء التي رآها في إحدى عروجات روحه، كانت رحلة فهمي عبد البر هي رحلة للأعلى نحو السمو والترقي وترك أدران الأرض؛ترك أسرته ليلتقي بالحبيبة ولكن بعد الخمسين، هو يترك التاريخ الحديث المثقل بالصراعات السياسية القميئة ويغوص في حكاية الجبالي؛ فهمي يرى نفسه دائما في صورة الآخر، ونجاته من هذا الصراع هو تماهيه في أقانيم وصور شتى، رحلة عابرة ومتجاوزة، حاول بطلها التخلص من حمولات الحياة وثقلها.
“وكذلك فعلنا وفتشنا حتى كاد الجنون يضربنا جميعا. لك يا ربنا الأمر والحكمة: مولانا لم يطوه قبر من القبور المعروفة لبني آدم، إنما قبران مزعومان: واحد في قلب قبور الأمير، والثاني في حضن قبر الإمام يأتي إليه الناس يلتمسون الدعاء لهم وله. وهذا آخر ما وصلنا من أخبار الجبالي”
كان إتقان الكاتب التحول بدفة الحديث من لغة الرواية والعدول إلى لغة تراثية تشبه لغة الجبرتي وأسلوبه، محفزا لخلق نص داخل النص وحكاية داخل الحكاية المتن، كل ذلك باقتدار، ليعود إلى النقطة صفر التي بدأ منها البطل.
تقف رواية “سباعية العابر” للكاتب حسام المقدم من الروايات التجريبية التي حاول صاحبها أن يتجاوز خط الكتابات التقليدية لينسف التراتب الزمني، والحبكة، وليعبر بروايته مغامرا وسابحا في نهر ومياه جديدة، ويقدم أطروحة جديدة تعيد لفن الرواية نكهته الحكائية، وتثبت مقدرته وطواعيته لإعادة الخلق والتجريب المستمر، على مستوى الشكل والمضمون.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى