إبداعقصةمشاركات أدبية

«ريش نعام»

قصة: سارة النجار

Sara El Naggar

دقت الساعة تمام التاسعة، معلنةً بدء يوم تحلم به منذ أن كانت طفلة تلعب بدميتها المحشوة، يوماً هو الأجمل بعد عناء شهور.
ستنتقي اليوم فستانها الأبيض، لم تنم جيدًا ليلة الأمس، كانت تتململ في فراشها كل عشردقائق، تنظر في ساعة هاتفها، ثم تعود لأحلامها البيضاء، كانت بالفعل أحلاماً بيضاء، ارتدت كل الفساتين البيضاء التي أبدعها المصممون، وتلك التي لم ولن يخيطها أحد.

ارتدت فستانا من ريش النعام، كان جميلا ناعما ولكنه ثقيلا لما اختلط به من رمال، القته جانبا وارتدت اخراً من حلوي غزل البنات كان خفيفاً فطار ف الهواء، جربت المصنوع من الزنابق وزهور الياسمين فاحت رائحة أحلامها منه وأقلقت أمانيها من يسكنون السماء، ثم كان آخرما ارتدته مغزولًا من السحاب، كان الأبهي، لكن حين بكي السحاب ذاب فستانها، لم تحزن فقد أخبروها يوما أن البكاء ف الحلم زوال عناء، حتي وإن كان من يبكي غيماً محملا بالماء.

استيقظت بدقات قلب راقص، ارتدت أخف ثيابها وأسهلها خلعا، رفعت شعرها بطريقه مشابهة لتلك التي تريد من خبيرة تجميلها أن تصفف بها شعرها في يومها الكبير. ارتدت حمالة الصدر التي اختارتها ليوم زفافها، ووضعت الحذاء الأبيض المرصع في حقيبة يدها حتي تكتمل التجربة.
بخفة فراشة طارت العروس إلي وجهتها، محلات وسط المدينة وواجهاتها الزجاجية وشوارعها الحبيبة، كانت تشتعل شوقاً لأن تري نفسها بالأبيض.

قررت أن تجرب كل الفساتين، القصير منها وذو الذيل الطويل، البسيط المنسدل والامبراطوري المنتفش، فساتين الأميرات وفستان عروس البحر، فساتيناً من الدانتيل الأنيق، وأخري من الحرير الناعم، الشيفون الرومانسي، والساتان التقليدي، الأورجانزا الأسطوري، والسويسري المرصع، جميعها بلا استثناء.

دخلت أول محل يعرض فساتينا بيضاء، ما إن دلفت حتي انسابت الي أذنيها تلك الكلمات،كلمات كانت يوما ما تحملها فوق سحاب لا يعرف البكاء:

«ندهلي حبيبي جيت بلاسؤال، من نومي سرقني ،من راحة البال»

انتفضت، تغيرت ملامحها المشتاقة، شعرت بانقباضه في معدتها، صدي غاضب بداخلها يصرخ: لماذا اليوم، لماذا يأبي القدر إلا أن  يذكرني فيك، لماذا وأنا أستعد لأهب ماتبقي من عمرٍ مكسور ومشاعرٍ مشروخة إلي رجل أخر.

غادرت الانقباضة معدتها لتسكن أطرافها، أصابتها رعشة المحموم، همت بمغادرة المحل الي هواء الشارع علَّ الهواء يعيد إليها هدوئها النفسي، استوقفتها البائعة:

-«أساعدك؟»
-«لقد ساعدتني بالفعل، تكفيني كلمات الاغنية الرائعة».

ثم رمتها بابتسامة بلهاء، وغادرت الي الشارع.

لكن لا الهواء ولا الزحام أعادا إليها الهدوء ولا أعاداها الي الحاضر، فقط الذكري تجتاح جوانبها لتعصف بالحاضر والمستقبل، الذكريات تداهم سفينتها المثقوبة كاعصار جامح، وكأن الشهور الماضية بزخمها والبيت الجديد برائحة عتبته، والفستان الأبيض بوهج حلمه لم يكونو.  وكأن لقائها الأخير به لا يفصلها عنه سوي أغنية؛ بضع كلمات مسجوعة تئن وألات موسيقية تنتحب.

قبل أن تدفع بالباب الزجاجي وتدلف إلي المحل؛ ماضي سحيق لاتتذكره، كأنها نامت كبيضاء الثلج بعد أن هجرها، نامت إحدي عشر شهراً واستيقظت علي قُبلة الحنين أو صفعته. أو كأنها الآن تحلم، وماكان طوال الشهور الماضية هو واقعها الذي ظنته صلباً، صلباً كقلبهالذي لا يلين.

– «لست مستعداً، سأهاجر».
– «سأنتظرك».
– «قد لا أعود يوماً».
دموع، آهات مكتومة، جواز سفر أخضر مختوم، وسلسلة من الفضة تحوي كلمتين تلف عنقها الأبيض المذبوح.

حين دقت التاسعة للمرة الثانية في يوم هو الأطول، كانت هي هناك، في غرفتها، ونظرات ملأي بالاشتياق والفضول تخترق الباب الموصود، قتحت الباب، شهقت أمها واحتضنتها اختها الصغري. انطلقت زغرودة من أم عطشي للفرح، أم تألمت يوما بقلب الأنثي قبل الأم من عطب أصاب روح صغيرتها، كانت هي بفستان ثقيل يشبه ما ارتدته في حلمها ذاك الذي كان من ريش النعام، كانت ملامحها جامدة، ابتسامتها براقة بلا انفعال، خطواتها بطيئة تتحاشي النظر إلي المرآة الكبيرة.

صاحت أختها:
-«كأنه خيط خصيصاً لك، ولكنه ثقيل جداً، كيف سترقصين؟».

بخفوت اجابت:
-«لن أرقص، سأجلس كملكة متوجة علي العرش».

-«جميلٌ، وأنت أجمل ياصغيرتي، هيا اخلعيه وتعالي أعددت لك طعام العشاء، لم تتناولي شيئاً منذ الأمس»

غادرتا الغرفة، أغلقت الباب خلفهما، وببطء اتجهت الي مرآتها تجرجر فستانها، لتري مار أته في عيونهما، أمام المرآ ة رفعت وجهها لم تكن هناك ولم يكن هناك فستان.

لم تري سوي:

أنا لحبيبي

تلفان عنقها وللأبد.

 

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى