الرئيسية / دراسات نقدية / سماح ممدوح تكتب: الثابت والمتحول في «أولاد حارتنا»

سماح ممدوح تكتب: الثابت والمتحول في «أولاد حارتنا»

بقلم:سماح ممدوح

كتب الشاعر «أودنيس» فى كتابه الموسوعى (الثابت والمتحول، بحث فى الإبداع والإتباع عند العرب – الجزء الاول)، تعريفا عن معنى «الثابت»، ومعنى «المتحول»، فى الثقافة العربية. عرف «الثابت» بأنه: «الفكر الذى ينهض على النص، ويتخذ من ثباته حجة لثباته هو، فهما وتقويما» وعرف «المتحول» بأنه: «الفكر الذى ينهض هو أيضا على النص، لكن بتأويل يجعل النص قابل للتكيف مع الواقع وتجدده».
وأفاد بكيفية تأثير كلا من الاتجاهين في الثقافة العربية وتطورها، وتوصل أيضا إلى أن الحزب الذى تمسك بالثابت (النص المنقول) فقط، لم يسهم بجهد يذكر فى التطور المعرفى للثقافة العربية، وذالك على عكس المتحول (المبدع المتجدد) الذى طوع النصوص المنقولة على حسب ماتقتضية الأزمنة. وهذا مابعث على التناحر بين الحزبين منذ البداية، وإلى أن يشاء الله.
كان ذالك بالنسبة إلى المعرفة والثقافة العربية بالتحديد. ولكن على المستوى الانسانى والعلاقات الانسانية، فهذا بالضبط ما قصه من قبل «نجيب محفوظ»  فى رائعته «أولاد حارتنا».
لقد كانت تلك الملحمة الشمولية النظرة، ماهى إلا توثيق للحقائق الإنسانية التى تشبه كثيرا مبدء «الثابت والمتحول فى المعرفة» لدى «أودنيس»، واستند فيها محفوظ إلى قصة الخلق، وقصص الانبياء من بعد، والذين حاولو غرس اخلاقيات وقيم جديدة، فى نفوس البشرية تصلح كثير من الأخلاقيات التى تعاهدوها منذ الخلق الاول.
فالشعب الذى يسكن الحارة كما فى الرواية، هو محور أو حزب (الثبات). والتى تدور حياتهم فقط على ماتوارثوه عن اباءهم الاولين، غير ساعين إلى الثورة على القديم، حتى لو كان ذلك القديم يجئ لهم بالطاغية (الفتوة)،  ولا هم يحاربونه، بل يحاربون المحاولات التى تسعى لإزاحة الطغيان عندما يجود الزمان بالمصلحين، وذلك عن طريق (النسيان الدائم).
فى «أولاد حارتنا» ينتصر حزب (الثبات) أغلب الوقت، والدليل على ذالك أن كل محاولات الاصلاح والمصلحين (التحول) الذين توافدو على الحارة باءت بالفشل، أو لم يبقى أثر إصلاحها سوى وقت قصير، لتنزوى أو تندثر تلك الاصلاحات بمقتل أو موت أصحابها.
“أدت ظروف الصراع ، لسبب أو لاّخر، إلى أن يظل منحى التحول مغلوب”.
فمثلا عندما جاء “جبل” الذى يمثل نموذج التحول وهو بالمناسبة يرمز إلى النبى موسى، وكان أول من ثار على الظلم فى الحارة واستطاع بعد فترة وأحداث كثيرة الرجوع إلى الحارة واقامة العدل ورد الحقوق إلى أصحابها، مالبثت فترة الاصلاح هذه مدة قصيرة ليرجع الناس بعدها إلى (ثباتهم الاول) لان آفة حارتهم النسيان.
ويأتى من بعد جبل “رفاعة” أو (النبى عيسى المسيح)، مصلحا هو أيضا ما أفسدة الدهر فى الزمان بينه وبين سابقه، لتدبر مؤامرة لقتله بعد أن كثر أتباعة الذين أقام بينهم العدل ونشر السعادة والمحبة بينهم، ليثور عليه من لا تتسق مصالحهم مع مبادءه التى نشرها ويقتلوه، ليعود الناس إلى سيرتهم الأولى ويتغلب عليهم أصحاب العهد القديم بأفكارهم وفتواتهم حتى يأتى المصلح (المجدد) التالى.
وأتى “قاسم” فى إشارة إلى (النبى محمد). قاسم الذى كون جيش وقتل الفتوات ومناصريهم على رأسهم الناظر. ودانت بعدها الحارة لقاسم والأمور كلها، فأقام العدل وعادت على يده الأمور للصلاح. لكن ديدن الناس كان النسيان، وطويت أيضا صفحة الاصلاح القاسمى حتى شرقت شمس (العلم) المتمثلة فى “عرفة”.
يجئ عرفة (والذى لايحسب على أى دين) كالعادة بعد الظلم والطغيان ليحق الحق. عرفة، الذى شغف بالمعرفة حبا، وهذا الشغف هو ما سيؤدى إلى مقتلة في نهاية  الأمر.
وسعى إلى “الجبلاوى” الذى يمثل الذات الالهية فى الرواية، لمعرفة السر الأعظم، لكنه قتل الجبلاوى، حتى لو بطريق غير مباشرة، وظل حتى مماته نادم على مافعل. ليرجع الناس بعده إلى اّفتهم الاولى(النسيان).
ختمت رواية “اولاد حارتنا” أيضا بالمبدء الذى أشار إليه (أودنيس) وهو، ليس هناك قيام لحضارة، أي حضارة، إذا ما اعتمدنا على جانب من المعادلة دون الاّخر، فلا حضارة لمن اعتمد كليا على الماضى فقط وتمسك به، ولا نفع فى تجديد لا تاريخ له، وشبه ذالك بالذى يقيم سقف منزل دون إقامة حوائط.
وهذا بالضبط ما أكدت علية نهاية الرواية التى يمكن أن نسميها (الدائرة) لتكرر الأحداث طوال الزمان بنفس الأخطاء. فلم يستفد المجددون بالتاريخ، ولا المتمسك بالتاريخ يعتد بالتحديث. وهذا ماتجلى فى موقف عرفة بعدما قتل الجبلاوى، الذى أدى بحتمية إلى موت عرفة، ليؤكد أنه لا قيام حضارة لأحدهم دون الاخر.
“لاتستطيع أن تستشف احتمالات المصير لشعب ما دون أن تقيم الاصول الثقافية لنشأته، ولا نقدر أن نتنور صورة المستقبل إلا إذا كنا محيطين بصورة الماضى”.

*ملاحظة: 
تم الاعتماد فى هذا المقال على مرجع ( الثابت والمتحول، دراسة فى الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الاول، الأصول) الصفحات 13 ، 14 ،57 ، 56.

عن كُتب وكُتَّاب

اقرأ أيضًا

ياسين أحمد سعيد يكتب: مرة واحد صعيدي واقعي.. في عيد الحب

بسم الله الرحمن الرحيم إلى ياسين ذو السبعة عشرة صيفًا، هيه يا صاح، أفتقدك بحق، …

Send this to a friend